dhl
dhl

وجوه صنعت الأمل: حكايات نساء ألهمن العالم

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في كل مجتمع، وسط ضجيج السياسة والاقتصاد وأخبار المشاهير، تظل هناك قصص إنسانية أكثر صدقًا وعمقًا، قصص لا تبدأ بالضرورة في قاعات المؤتمرات أو شاشات التلفزيون، بل في الأزقة والشوارع، أو في مواقف عابرة لكنها تختزن بطولات هادئة قادرة على أن تغيّر نظرة الناس إلى معنى الكفاح والإنسانية. في مصر والعالم، خرجت شخصيات نسائية من الهامش إلى واجهة الضوء، ليس لأنهن طلبن الشهرة، بل لأن حياتهن نفسها كانت درسًا في الشجاعة والإصرار.حين التقطت الكاميرات صورة منى السيد، المعروفة إعلاميًا بـ”فتاة العربة”، وهي تجرّ عربة صغيرة محملة بالبضائع في شوارع الإسكندرية، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول تلك اللقطة إلى بداية قصة عالمية. لم تكن منى نجمة على شاشة أو سيدة أعمال مرموقة، بل كانت امرأة بسيطة تعمل بإصرار لإعالة أسرتها، لكن ابتسامتها التي لم تفارقها وهي تسعى خلف لقمة العيش جعلت صورتها رمزًا للمثابرة. لم يمر الأمر عابرًا، فقد لاقت قصتها صدى واسعًا، وحصلت على تكريم رسمي من رئيس الجمهورية، كما جرى اختيارها لاحقًا كسفيرة للنوايا الحسنة، لتصبح نموذجًا للمرأة المصرية التي تحمل كرامتها فوق كتفيها وتثبت أن العمل الشريف –مهما كان شاقًا– أرفع من أي استسلام للفقر.قصة أخرى خطّت طريقها في وجدان الناس دون تخطيط هي قصة “سيدة القطار” صفية أبو العزم. كانت رحلة عادية بالقطار يمكن أن تمر بلا أثر، لولا أن أحد الركاب حاول إذلال مجند شاب بسبب عجزه عن دفع ثمن التذكرة. لحظتها، لم تفكر صفية كثيرًا، أخرجت مالها الخاص ودفعته، ليس فقط لإنقاذ الشاب من الموقف، بل لتؤكد أن الكرامة لا تُقاس بثمن تذكرة. انتشر الفيديو بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وصارت صفية رمزًا للإنسانية البسيطة التي لا تحتاج إلى مؤتمرات ولا خطب مطنبة لتظهر، بل تُقاس بالفعل في اللحظة الحرجة.وفي صعيد مصر، خرجت مروة العبد على “تروسيكل” صغير في شوارع الأقصر لتقود رزقها بيديها. نظرات الدهشة والاستهجان لم تمنعها من المضي قدمًا، بل كانت دافعًا أكبر لكسر الصورة النمطية التي تحصر النساء في أدوار محدودة. مروة لم تكن مجرد فتاة تكافح الفقر، بل أيقونة لكيف يمكن للمرأة أن تواجه التقاليد الصارمة بابتسامة وعمل شريف. قصتها تناقلتها وسائل الإعلام، وأصبحت حديث الرأي العام، حتى أنها ألهمت فتيات أخريات في الجنوب ليتحدين فكرة أن المجتمع يرسم لهن خطوطًا لا يجوز تجاوزها.وإذا عبرنا الحدود خارج مصر، فإن قصص النساء الملهمات لا تقل قوة ولا تأثيرًا. نادية مراد، الشابة الإيزيدية التي عاشت كابوس الأسر على يد تنظيم داعش، تحولت من ضحية صامتة إلى صوت مدوٍ في المحافل الدولية

لم يكن سهلاً عليها أن تروي للعالم تفاصيل المعاناة، لكن شجاعتها في مواجهة الماضي جعلتها سفيرة لقضية النساء المضطهدات. نادية حملت جرحها للعالم كله، وحصلت على جائزة نوبل للسلام، لتؤكد أن أشد اللحظات قسوة قد تخلق أعظم الرسائل الإنسانية.وبقصة أخرى أشبه بالمعجزة، نسمع عن ملالا يوسفزاي، الفتاة الباكستانية التي أصابتها رصاصة طالبان لأنها طالبت بحق البنات في التعليم. لم تسقط ملالا في صمت، بل نهضت من سرير المستشفى لتصبح أصغر حاصلة على جائزة نوبل للسلام، ولتكتب للعالم درسًا بليغًا: أن صوت العلم لا يمكن إسكاته بالرصاص، وأن الدفاع عن الحق قد يصنع من طفلة بسيطة رمزًا عالميًا.هذه الوجوه، وإن اختلفت أوطانها وتجاربها، تتفق في شيء واحد: أن البطولة الحقيقية لا تكمن في الشهرة ولا في المال، بل في لحظة صدق يواجه فيها الإنسان ضعفه وظروفه ليصنع فارقًا. منى السيد لم تحمل إلا عربة بسيطة، لكنها حملت معها رسالة الكرامة. صفية أبو العزم لم تملك إلا بضع جنيهات، لكنها أنقذت كرامة جندي شاب. مروة العبد لم تملك إلا تروسيكلًا صغيرًا، لكنها كسرت جدارًا من التقاليد. نادية مراد لم تكن سوى فتاة مسحوقة من أقلية مضطهدة، لكنها رفعت صوت الملايين. وملالا يوسفزاي لم تملك إلا قلمًا وصوتًا مرتجفًا، لكنها غيّرت تاريخ التعليم للفتيات.إن البطولة أحيانًا لا تحتاج إلى أسلحة ولا إلى صخب، بل تحتاج إلى قلب مؤمن بأن الإنسانية هي السبيل الوحيد لتغيير العالم. هؤلاء النساء قدمن الدليل الحي على أن الإرادة الإنسانية، حتى لو خرجت من أكثر البيئات بساطة، قادرة على أن تصل إلى قاعات الأمم المتحدة، وأن تهزّ ضمير العالم. وفي زمن تتسابق فيه الأخبار السطحية وتتصدر فيه قصص تافهة، يبقى من واجب الإعلام أن يسلط الضوء على هذه النماذج التي تحمل في جوهرها معنى الحياة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.