dhl
dhl

الدراما التاريخية: بين التوثيق والتشويه

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لطالما كانت الدراما التاريخية واحدة من أكثر الفنون تأثيرًا في تشكيل وعي الشعوب وصياغة صورتها عن الماضي. فهي لا تقتصر على كونها عملًا فنيًا يجذب المشاهد ويأسره بمشاهد فخمة وديكورات مهيبة، بل تتجاوز ذلك لتصبح أداة لصناعة الذاكرة الجمعية، وربما لإعادة كتابة التاريخ وفق منظور صُنّاع العمل أو الأجندات التي تقف خلفه. ومن هنا يثور الجدل الدائم: هل تعكس الدراما التاريخية الحقيقة كما كانت، أم أنها تسقط في فخ التزييف والانتقائية والتمجيد؟• الدراما بين السرد الفني والحقائق التاريخيةالحقيقة أن صُنّاع الدراما يواجهون معضلة كبرى؛ فالتاريخ مادة جامدة مليئة بالأحداث والشخصيات والوقائع، بينما الدراما فن قائم على الحبكة والصراع والإثارة. ولتحقيق الجاذبية، يُضطر المؤلفون والمخرجون أحيانًا إلى ملء فراغات أو اختلاق حوارات وشخصيات فرعية لا وجود لها في الواقع. غير أنّ هذه المساحة بين الحقيقة والخيال قد تتحوّل إلى سلاح ذي حدين؛ إذ قد تمنح الجمهور صورة مغايرة تمامًا عمّا جرى بالفعل، فتشوّه الأحداث أو تمجّد شخصيات مثيرة للجدل على حساب أخرى.• المسلسلات التركية وتمجيد التاريخ العثمانيمن أبرز الأمثلة على ذلك، ما قدّمته الدراما التركية في السنوات الأخيرة من أعمال ضخمة تتناول التاريخ العثماني، مثل مسلسل قيامة أرطغرل والمؤسس عثمان والسلطان عبد الحميد. هذه الأعمال حظيت بجماهيرية عارمة، ليس في تركيا فقط، بل في العالم الإسلامي كله. غير أنّها وُجّهت إليها انتقادات حادة من مؤرخين وباحثين، أكدوا أنّها تخلط بين الأسطورة والحقيقة، وتضفي هالة بطولية على بعض الشخصيات أكثر مما تستحق. فـ”أرطغرل” مثلًا صُوِّر باعتباره بطلًا أسطوريًا لا يُقهر، في حين أنّ المصادر التاريخية حوله ضئيلة للغاية ولا تؤكد كثيرًا من البطولات المنسوبة إليه. كما أنّ هذه الأعمال كثيرًا ما تمجّد الدولة العثمانية وتُظهرها باعتبارها حامية الدين والأمة، متجاهلة فترات من الاستبداد أو الصراعات الداخلية التي شهدتها.

• الدراما المصرية بين الإنجاز والقصورأما في الدراما المصرية، فقد قدّم صنّاعها نماذج مهمة من الأعمال التاريخية التي حاولت توثيق فترات مفصلية في التاريخ المصري والعربي. من أبرزها مسلسل الملك فاروق الذي أثار جدلًا واسعًا عند عرضه، حيث قدّم صورة إنسانية لآخر ملوك مصر، بعيدًا عن الصورة النمطية التي ترسّخت لعقود بعد ثورة يوليو. كذلك مسلسل أم كلثوم الذي تناول سيرة “كوكب الشرق” بأسلوب وثائقي درامي، ونجح في إعادة إحياء تفاصيل زمن بأكمله. وهناك أيضًا مسلسل الملك المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، والذي تناول قصة الملك أحمس وطرده للهكسوس، وإن كان قد واجه انتقادات حول الدقة التاريخية والملابس والديكورات.إلا أنّ بعض الأعمال المصرية لم تَسلم من الانتقادات أيضًا، إذ رأى البعض أنّها سقطت في فخ الإطالة والتكرار أو حتى تزييف بعض الحقائق بما يتماشى مع رؤى سياسية أو فنية. على سبيل المثال، أثير جدل واسع حول مسلسل الجماعة للكاتب وحيد حامد، والذي حاول تقديم تاريخ جماعة الإخوان المسلمين. ورغم ثراء المعلومات، اتهمه البعض بالانحياز ضد الجماعة وتشويه صورتها.• بين التوثيق والفن.. من الرابح؟الدراما التاريخية إذن تقف دائمًا عند مفترق طرق: بين التوثيق الدقيق الذي قد يفتقر للإثارة الدرامية، وبين السرد الفني المشوّق الذي قد يسيء إلى الحقائق. الحل ربما يكمن في التوازن، وفي الاستعانة بمؤرخين ومتخصصين أثناء صناعة هذه الأعمال، لضمان حد أدنى من المصداقية، دون أن نفقد روح الدراما.إنّ خطورة الدراما التاريخية تكمن في أنّ ملايين المشاهدين يتلقون منها معلومات قد يظنونها حقائق مطلقة، بينما هي في حقيقتها روايات منحازة أو منقوصة. لذلك يبقى السؤال المطروح: هل على الدراما أن تلتزم بالتاريخ كما هو، أم أنّ من حقّها أن تُعيد صياغته وفق رؤيتها؟ ما لا شك فيه أنّ الدراما التاريخية تظلّ مرآة لزمنها، تكشف بقدر ما تُخفي، وتؤثر بقدر ما تُضلل، وهي بذلك تضع على عاتق صُنّاعها مسؤولية كبرى أمام الشعوب والأجيال القادمة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.