القاهرة – نهاد شعبان:
عندما يذكر اسم الدكتور إبراهيم الكرداني، يتبادر إلى الأذهان فورا ذلك الصوت المميز الذي ارتبط بعشرات السنين من العمل الإعلامي الهادف، لم يكن مجرد مذيع يقرأ الأخبار أو يقدم برنامجا على شاشة التلفزيون المصري، بل كان صوت المصداقية الذي شكَل وعي أجيال كاملة، وأصبح رمزا للالتزام المهني والهدوء والثقة، حيث ولد الكرداني في أسرة مصرية تهتم بالعلم والثقافة، ما انعكس على شخصيته منذ سنواته الأولى، ودرس الصيدلة وحصل على درجة الدكتوراه، لكن شغفه الحقيقي كان بالإعلام، حيث امتلك منذ صغره خامة صوتية فريدة ولغة عربية سليمة، مع قدرة على الإلقاء تجذب المستمعين، وبفضل هذه الموهبة، التحق بالتلفزيون المصري في فترة الستينيات والسبعينيات، ليبدأ مشوارا طويلا تحول فيه إلى أحد أبرز الأصوات الإعلامية الموثوقة في مصر والعالم العربي.لم يكن الكرداني مذيعا عاديا في نشرات الأخبار أو البرامج الحوارية، بل كان جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، صوته المميز الذي يجمع بين الحزم والهدوء منح المشاهد شعورا بالثقة، وجعل كلماته تصل مباشرة إلى القلوب قبل العقول، ارتبط اسمه بالبرامج الطبية والتوعوية التي كانت تبث عبر شاشة التلفزيون المصري، حيث استطاع أن يحول لغة الطب الجافة إلى معلومات مبسطة تدخل كل بيت، وتخاطب مختلف المستويات الثقافية، كما عاصر الكرداني أجيالا متعاقبة من المذيعين والإعلاميين.
لكنه ظل متفردا بقدرته على الدمج بين العلم والمعرفة والصوت الإعلامي المتزن، لم يعرف الإثارة أو المبالغة أو العناوين الصادمة التي انتشرت لاحقا، بل التزم بالموضوعية والرصانة، ولهذا السبب اعتبره كثيرون مدرسة قائمة بذاتها يتعلم منها المذيعون الشباب أصول المهنة وأخلاقياتها.كما لم يلهث الكرداني وراء الأضواء، ولم يسع إلى نجومية زائفة، بل جعل من المصداقية عنوانا لمسيرته، الجمهور وثق فيه لأنه لم يكن يجمل الحقائق أو يبالغ، بل ينقل المعلومة بصدق ووضوح، حتى عندما تحدث في موضوعات طبية حساسة، كان يقدمها بحس إنساني ولغة راقية تبعد عن التخويف أو التهويل، هذه المصداقية جعلته حاضرا في وجدان أجيال كاملة، من الآباء الذين تابعوه في بداياته إلى الأبناء الذين عرفوه من خلال تسجيلاته وبرامجه المعادة، وبجانب عمله الإعلامي، شغل الكرداني مناصب دولية بارزة، حيث عمل مستشارا إعلاميا لمنظمة الصحة العالمية، وقد منحته هذه التجربة خبرة واسعة في مخاطبة الرأي العام حول القضايا الصحية العالمية، من حملات التطعيم إلى مواجهة الأوبئة، وكان صوته في المؤتمرات الدولية لا يقل تأثيرا عن حضوره في التلفزيون المصري، إذ جمع بين قوة البيان وعمق المعلومة، ورغم مرور السنوات وتغير أدوات الإعلام، مازال اسم إبراهيم الكرداني حاضرا كنموذج يحتذى، حيث أن الكثير من الإعلاميين الشباب يعتبرونه قدوة لهم حتى الأن.




