dhl
dhl

الدراما العربية المشتركة: من النصوص المُعرّبة إلى صناعة عابرة للحدود

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

منذ عقود طويلة، ظلّت الدراما التلفزيونية العربية مرآة لمجتمعاتها المحلية؛ فالمسلسل المصري كان يعكس نبض القاهرة والمحافظات، والسوري كان يروي حكايات الشام، واللبناني يحاكي الحياة في بيروت. لكن مع اتساع القنوات الفضائية مطلع الألفية، ثم انفجار المنصات الرقمية في العقد الأخير، تغيّرت قواعد اللعبة تمامًا. أصبح الجمهور متنوعًا، متعدد اللهجات والانتماءات، وصار المنتجون يبحثون عن نصوص وأعمال تتجاوز الحدود المحلية إلى الفضاء العربي بأسره. هكذا وُلد ما يُعرف اليوم بـ”الدراما المشتركة”، وهي ظاهرة لم تعد مجرد تجربة عابرة، بل تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها.الدراما المشتركة تقوم على شراكات إنتاجية تجمع بين أكثر من بلد عربي، وغالبًا ما توظّف نجومًا من جنسيات مختلفة، وتُصوَّر في مواقع متعددة، بحيث تعكس هوية عربية عابرة للأقطار. دوافعها كثيرة: من الناحية الاقتصادية، تتيح هذه الشراكات تمويلًا أكبر وإمكانية تسويق أوسع، خصوصًا مع دخول منصات كـ”شاهد” و”نتفليكس” التي تسعى لاستقطاب جمهور عربي موحد. ومن الناحية الفنية، تمنح النصوص المشتركة مساحة لاستعراض ثقافات ولهجات متنوعة، ما يزيد من جاذبيتها للجمهور.

من أبرز الأمثلة على ذلك مسلسل “عروس بيروت” الذي عُرض عام 2019، وهو نسخة معرّبة عن الدراما التركية “عروس إسطنبول”. العمل شكّل حالة مهمة في تاريخ الدراما المشتركة، إذ أظهر كيف يمكن تكييف نص أجنبي ليناسب الثقافة العربية، من خلال تمصير الأحداث وتعريب الحوار والاستعانة ببطولة لبنانية–سورية مثل ظافر العابدين وكارمن بصيبص وتقلا شمعون. وقد حقق المسلسل نسب مشاهدة عالية، وأكد أنّ الجمهور العربي مستعد لتقبّل نصوص طويلة ذات طابع عائلي ودرامي إذا قُدِّمت بإنتاج جيد وتسويق واسع.غير أنّ النموذج الأكثر تأثيرًا بلا شك هو “الهيبة” الذي انطلق عام 2017 ببطولة تيم حسن ونخبة من نجوم لبنان وسوريا.

“الهيبة” لم يكن مقتبسًا، بلنص عربي أصيل كتبه هوزان عكو، وصُوِّر بمعظم مشاهده في لبنان، لكنه استند إلى أجواء الحدود السورية–اللبنانية التي أضفت طابعًا سياسيًا واجتماعيًا معاصرًا. العمل جمع بين الأكشن والرومانسية وقصص العشائر، فاستطاع أن يمزج الشعبي بالحداثي، وأن يخاطب وجدان جمهور واسع من الخليج إلى المغرب.

الأهم من ذلك أنّ “الهيبة” شكّل سابقة فريدة؛ إذ لم يقتصر تأثيره على الجمهور العربي، بل تجاوز ذلك ليصبح مصدر إلهام للدراما التركية نفسها. ففي عام 2023، ظهر مسلسل تركي بعنوان “المدينة البعيدة” (Uzak Şehir)، مستوحى بشكل مباشر من “الهيبة”، ليكون أول عمل تركي مقتبس من نص عربي، بعدما اعتدنا العكس طوال العقدين الماضيين.

هذه الخطوة قلبت المعادلة وأكدت أنّ الدراما العربية قادرة ليس فقط على المنافسة، بل على التصدير أيضًا.لكن، مع هذا النجاح، يظل الجدل قائمًا: هل الدراما المشتركة صناعة تعزز الهوية العربية، أم تهدد الخصوصيات المحلية؟ هناك من يرى أنها تميل أحيانًا إلى الصياغة التجارية على حساب العمق الفني، وأنها تفقد بعض الطابع الأصيل الذي ميّز المسلسل المصري أو السوري في ذروة ازدهاره. في المقابل، يعتقد آخرون أنها فتحت الباب أمام فرص غير مسبوقة للتعاون الإقليمي، ورفعت مستوى الإنتاج من حيث الصورة والإخراج، وأعطت الدراما العربية مساحة للتواجد على منصات عالمية.

لا يمكن أيضًا إغفال دور المنصات الرقمية التي أعادت تعريف شكل الدراما المشتركة. فبينما كانت هذه الأعمال تعتمد في الماضي على الفضائيات مثل MBC أو LBC، أصبحت اليوم تعرض على “شاهد” أو “نتفليكس بالعربي”، ما يمنحها قدرة هائلة على الوصول لجمهور أصغر سنًا وأكثر انفتاحًا. هذا الجمهور بدوره صار يقارن مباشرة بين الدراما العربية والتركية والكورية، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على الكتّاب والمنتجين لرفع مستوى الجودة.

المستقبل إذن يحمل أسئلة كثيرة: هل ستظل الدراما المشتركة رهينة لنماذج “العشيرة والعائلة الكبيرة”، أم ستغامر بطرق أبواب جديدة مثل الخيال العلمي أو الكوميديا السوداء؟ هل ستنجح هذه الصناعة في تقديم صورة موحدة للهوية العربية أم أنها ستذوب في السوق العالمي دون تميّز؟ المؤكد أنّ تجربة “الهيبة” أثبتت أن النص العربي قادر على تجاوز حدوده، وأنه ليس مجرد مستهلك للقصص الأجنبية، بل منتِج لها أيضًا. وربما تكون السنوات المقبلة هي الاختبار الحقيقي لمدى نضج هذه الصناعة، وقدرتها على الانتقال من التجارب الفردية إلى مشروع عربي متكامل.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.