dhl
dhl

درية شفيق أول من أسس كتيبة نسائية في مصر

القاهرة – نهاد شعبان:

في ظل ارتباط اسم هدى شعراوي بقضية خلع الحجاب والخروج إلى الحياة العامة، جاء جيل جديد من الرائدات ليدفع بملف حقوق المرأة إلى مستوى أعمق وأوسع، ومن بين هؤلاء، جاء اسم الدكتورة درية شفيق كواحدة من أكثر النساء تأثيرا وجرأة في تاريخ الحركة النسوية المصرية، حيث أنها لم تكتفي بالمطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والانتخاب، بل سعت أيضا لإبراز دورها الوطني في مواجهة الاحتلال، ومن هنا جاء تأسيسها لأول كتيبة نسائية مصرية، كخطوة رمزية وعملية أكدت من خلالها أن المرأة ليست فقط أما وزوجة ومربية، بل قادرة أيضا على حمل السلاح والدفاع عن الوطن، وما لا يعرفه الكثيرون أن درية شفيق ولدت عام 1908 بمدينة طنطا، ونشأت في أسرة متوسطة، وأظهرت نبوغا مبكرا جعلها تكمل تعليمها الجامعي في مصر، ثم حصلت على منحة للدراسة في فرنسا، حيث نالت درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، وكان موضوع رسالتها عن المرأة في الإسلام، وهو ما يعكس وعيها المبكر بأهمية الدمج بين المرجعية الثقافية والدينية والعلم فعادت درية إلى مصر مسلحة بالعلم والرؤية، لتجد نفسها في قلب معركة تحرير المرأة وتحرير الوطن معا.وفي ظل الاحتلال البريطاني لمصر، ومع تصاعد الأحداث عقب الحرب العالمية الثانية وبداية الخمسينيات، شعرت درية شفيق أن دور المرأة لا يجب أن يبقى محصورا في المظاهرات أو الدعم المعنوي، فبادرت إلى تأسيس أول كتيبة نسائية مصرية داخل ما كان يعرف وقتها بالاتحاد النسائي، وهي خطوة غير مسبوقة في التاريخ المصري والعربي، فالكتيبة لم تكن مجرد تجمع شكلي، بل كانت تتلقى تدريبات عسكرية أساسية، وارتدت المجندات زيا موحدا، في رسالة قوية موجهة للمجتمع المصري وللاحتلال البريطاني تفيد بأن المرأة المصرية على استعداد للمشاركة في المقاومة المسلحة إذا استدعى الأمر، ولم يكن الهدف المباشر للكتيبة الدخول في معارك عسكرية بقدر ما كان له أبعاد رمزية واستراتيجية.

من بينها إثبات أهلية المرأة وهي أن المرأة المصرية قادرة على خوض جميع مجالات الحياة بما فيها المجال العسكري، الذي ظل حكرا على الرجال فقط.أيضا كان من أهم أهداف الكتيبة النسائية هي التعبئة الوطنية من خلال تشجيع النساء على المشاركة في العمل الوطني بدلا من الاقتصار على الدور التقليدي في الخلفية، وكان لذلك تأثير واضح إعلامي وسياسي من خلال إرسال رسالة إلى السلطات البريطانية والعالم الخارجي بأن الشعب المصري، رجالا ونساء، متحد في مواجهة الاستعمار، وأيضًا كسر الصور النمطية ومواجهة النظرة التقليدية التي تحصر المرأة في أدوار منزلية محدودة، وأثار تأسيس الكتيبة النسائية صدى واسعا في المجتمع المصري، فالبعض رأى فيها خطوة تقدمية جريئة تؤكد على مكانة المرأة، بينما انتقدها آخرون باعتبارها مبالغة أو خروجا عن الأدوار المألوفة، أما السلطات البريطانية، فقد رأت في الأمر إشارة مقلقة على تصاعد المقاومة الشعبية الشاملة، ورغم أن الكتيبة لم تشارك في معارك ميدانية مباشرة، إلا أنها ساهمت في تنشيط الوعي العام، ورسخت حضور المرأة في المشهد الوطني.ولا يمكن حصر إنجازات الدكتورة درية شفيق في تجربة الكتيبة النسائية فقط، فهي من قادت مظاهرة البرلمان الشهيرة عام 1951، حين اقتحمت مع مئات النساء مبنى البرلمان للمطالبة بحق المرأة في الانتخاب والترشح، كما أسست مجلتي بنت النيل والمرأة الجديدة، اللتين كانتا منابر فكرية تدعو للتحرر والتعليم والمساواة، وبفضل نضالها المتواصل، حصلت المرأة المصرية عام 1956 على حق الانتخاب والترشح في دستور الثورة، ومع ذلك، دفعت درية ثمن جرأتها، حيث تعرضت للتهميش والإقامة الجبرية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وانتهت حياتها بشكل مأساوي عام 1975، وقد يظن البعض أن الكتيبة لم يكن لها أثر عملي مباشر، لكن الحقيقة أن أهميتها ترجع إلى بعدها الرمزي والتمهيدي، حيث فتحت الباب أمام تقبل فكرة وجود المرأة في مؤسسات الدولة السيادية لاحقا، مثل الشرطة والجيش، واليوم نرى ضابطات مصريات في القوات المسلحة والشرطة، وهو ما يمثل امتداد لرؤية درية شفيق بأن الوطن يحتاج لجميع أبنائه وبناته دون تفرقة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.