القاهرة – نهاد شعبان:
منذ افتتاح استاد القاهرة في ستينيات القرن الماضي، لم يكن مجرد ملعب لكرة القدم، بل أصبح رمزا رياضيا وثقافيا وتاريخيا لمصر والعالم العربي، حيث يقع الاستاد في مدينة نصر، ومن خلاله عاصر أكثر من نصف قرن من الأحداث الكبرى التي شكلت ملامح الكرة المصرية والعربية والأفريقية، وفي استاد القاهرة اختلفت المشاعر وتنوعت ما بين الانتصار والانكسار، كما أن الذاكرة الجماعية للمصريين تربطه دائما بصرخات الفرح ودموع الحزن، ما يجعله بالفعل شاهد عيان على تاريخ الكرة المصرية بكل تفاصيله.
يرجع الفضل في فكرة إنشاء استاد القاهرة إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي أراد أن تمتلك مصر صرحا رياضيا ضخما يليق بمكانتها الإقليمية والدولية، وبدأ العمل في الاستاد عام 1956، واستمر لعدة سنوات حتى افتتح رسميا عام 1960 تحت اسم استاد ناصر، قبل أن يعرف لاحقا باستاد القاهرة الدولي، ومن خلال تصميمه الهندسي الفريد، وطاقته الاستيعابية الضخمة التي تجاوزت 80 ألف متفرج وقتها، كان الاستاد واحدا من أكبر الملاعب في العالم في ذلك الوقت، ووجهة مهمة لإقامة البطولات الكبرى، ولا يمكن الحديث عن استاد القاهرة دون التوقف عند دوره المحوري في تتويج المنتخب المصري ببطولات كأس الأمم الأفريقية.ففي نسخة 1986، امتلأ الاستاد بالجماهير التي زحفت لمساندة منتخب الفراعنة، وشهدت مدرجاته لحظة رفع الكأس بعد الفوز على الكاميرون بركلات الترجيح، وتكرر المشهد نفسه في 2006 حين استضافت مصر البطولة مرة أخرى، وكان استاد القاهرة هو الصر ح لكبير للنهائي المثير أمام كوت ديفوار، الذي انتهى بفوز مصر أيضا بركلات الترجيح وسط أجواء أسطورية، وفي كلتا المناسبتين، لم يكن الاستاد مجرد ملعب، بل تحول إلى مكان يضم روح وطنية جمعت الملايين خلف المنتخب، ليصبح رمزا للأمجاد الكروية المصرية.كما أن استاد القاهرة معروف بأنه الملعب التاريخي لمباريات الأهلي والزمالك، القطبين الكبيرين للكرة المصرية، فمباريات الديربي بينهما على أرض الاستاد تعد من أشرس وأهم المواجهات في أفريقيا والعالم العربي، وجذبت أنظار الملايين من المشجعين داخل وخارج مصر، وفي هذه المباريات، لا يكون الاستاد مجرد مدرجات ممتلئة، بل يتحول إلى لوحة إنسانية تمزج بين الألوان واللافتات العملاقة، في مشهد يعكس اهتمام وشغف المصريين بكرة القدم، كما شهد الاستاد أعظم لحظات الفرح، فقد عرف أيضا لحظات الانكسار، ففي تصفيات كأس العالم 2010، كان استاد القاهرة مسرحا للمباراة التاريخية بين مصر والجزائر، حين فازت مصر بهدفين دون رد وأشعلت آمال التأهل، لكن فرحة المصريين لم تكتمل بخروج المنتخب في المباراة الفاصلة بالسودان، كذلك احتضن الاستاد في بعض المناسبات دموع الجماهير بعد خسائر مفاجئة أو إخفاقات قاسية، ما جعله مرآة صادقة لمشاعر الشعب المصري تجاه كرة القدم.لم يتوقف استاد القاهرة عند ذكريات الماضي، بل خضع لعمليات تطوير ضخمة ليواكب متطلبات العصر، ففي السنوات الأخيرة، جددت أرضيته بالكامل بالعشب الطبيعي الحديث، وأضيفت شاشات عرض عملاقة وإضاءة حديثة تليق بالبطولات العالمية، كما تم تحديث المقاعد والمدرجات لتوفير راحة أكبر للجماهير، وكل هذه التحديثات جعلت الاستاد قادرا على استضافة بطولات كبرى، مثل كأس الأمم الأفريقية 2019، التي أعادت إليه بريقه أمام أنظار القارة والعالم.





