dhl
dhl

مستعمرة الجذام بين الإغلاق والتطوير

القاهرة – نهاد شعبان:

تقع مستعمرة الجذام في مركز أبو زعبل بمحافظة القليوبية، حيث تم إنشائها في ثلاثينيات القرن الماضي لعلاج مرضى الجذام الذين لفظهم المجتمع قديما، فتحولت إلى مستشفى وسجن في آن واحد، واليوم وبعد ما يقرب من تسعين عاما، يظل السؤال قائما هل حان وقت إغلاق المستعمرة نهائيا أم تطويرها لتظل قائمة بشكل مختلف؟، فعندما تأسست المستعمرة عام 1933، كان مرض الجذام من أكثر الأمراض رعبا، بسبب صعوبة علاجه وسهولة انتقاله بالتصور السائد وقتها، وتم فرض على المرضى العيش داخل المستعمرة بعيدا عن أهلهم ومجتمعهم حيث كانوا يتلقون العلاج ويعزلون معا لسنوات طويلة.ومع تطور الطب، خصوصا منذ السبعينيات، أصبح الجذام مرضا يمكن السيطرة عليه بأدوية فعالة، ولم يعد مبرر العزل الطبي قائما، لكن المستعمرة استمرت في استقبال المرضى، حتى صار سكانها خليطا من متعافين لا يملكون مأوى، ومرضى قلة ما زالوا يحتاجون رعاية متخصصة، حيث تضم المستعمرة اليوم مئات المرضى والمتعافين، الكثير منهم كبار سن قضوا عمرهم بين جدرانها، وبعضهم لم يعرف العالم الخارجي مطلقا، وآخرون يخشون العودة للحياة الطبيعية خوفا من الوصم الاجتماعي، ويعيش مرضى مستعمرة الجزام في مباني متواضعة، بعضها قديم متهالك وبعضها شهد ترميمات محدودة، كما أن الخدمات الصحية متوفرة، لكن ليست بالمستوى المثالي، وهناك مستشفى داخلي يقدم العلاج، لكن الشكوى الأبرز دائما هي من ضعف الإمكانيات وندرة التخصصات الطبية.

تباينت الآراء والمواقف حول إغلاق مستعمرة الجزام أو تطويرها فالداعون للإغلاق يرون أن المستعمرة لم تعد مبررة طبيا، حيث أن العلاج أصبح متاح في أي مستشفى عام، ولا حاجة لعزل المرضى في مكان مغلق، كما أن بقاء المستعمرة يعزز الوصم الاجتماعي ضد مرضى الجذام، وكأنهم فئة منبوذة لا يمكن أن تندمج مع المجتمع، أما المطالبون بالتطوير فيرفضون فكرة الإغلاق دون بديل إنساني، فمعظم المقيمين الآن ليسوا مرضى يحتاجون عزلا، بل أشخاص فقدوا ذويهم أو بيوتهم ويعتبرون المستعمرة بيتهم الوحيد، وهؤلاء يحتاجون رعاية اجتماعية ودعما نفسيا ومساكن آدمية، لا مجرد قرار إداري بالإخلاء.عم محمود، رجل في السبعين من عمره، يقول إنه دخل المستعمرة طفلا ولم يغادرها منذ أكثر من ستين عاما، لم يتزوج ولم يكون أسرة، ويعتبر المستعمرة وطنه، بينما قالت فاطمة، سيدة متعافية، 40 عامًا إنها لا تستطيع العودة لقريتها بعد وفاة أسرتها، وتخشى نظرة المجتمع إذا عرفوا أنها عاشت يوما في مستعمرة الجذام، وكل هذه الشهادات تعكس أن القضية لم تعد طبية فقط، بل اجتماعية ونفسية بالدرجة الأولى، ولذلك خلال السنوات الأخيرة، بدأت وزارة الصحة بالتعاون مع بعض الجمعيات الأهلية في تحسين أوضاع المستعمرة، حيث تم تطوير بعض المباني وتحديث جزء من المستشفى، كما أُطلقت حملات توعية للتأكيد أن الجذام مرض يمكن الشفاء منه بالكامل ولا يستدعي عزلا، وبعض المبادرات ركزت على دمج المتعافين في المجتمع، عبر توفير فرص عمل بسيطة أو مساعدات مادية، لكن هذه الجهود ما زالت محدودة مقارنة بحجم التحديات، وما زال الجدل قائما حول مستقبل المستعمرة حتى الأن.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.