القاهرة -نهاد شعبان:
تقع مجمع الأديان في منطقة مصر القديمة، ويعتبر من أهم المواقع التاريخية والدينية في مصر، حيث يجمع المكان بين جامع وكنيسة ومعبد يهودي في مساحة صغيرة جدا وكأنه لوحة حية تجسد فكرة التعايش بين الأديان السماوية الثلاثة عبر العصور، ويرتبط المجمع من الناحية الجغرافية بحصن بابليون الشهير الذي يعود تاريخه إلى العصر الروماني، وهو الحصن الذي احتضن الكثير من الأحداث التاريخية، وكان شاهدا على مرور حضارات متعددة، ومع مرور الوقت تحولت هذه البقعة إلى ملتقى روحاني يجمع بين أديان مختلفة، فصار المسجد بجوار الكنيسة، والمعبد ملاصقا لهما، في مشهد فريد لا يتكرر كثيرا في العالم.أول ما يلفت الانتباه عند الحديث عن مجمع الأديان هو جامع عمرو بن العاص، الذي يعرف بالمسجد العتيق، ويعد أول مسجد بني في مصر وأفريقيا بعد الفتح الإسلامي، على يد القائد عمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي، وعلى مر القرون ظل الجامع مركزا دينيا وسياسيا وعلميا، تعرض للتجديد والترميم مرات عديدة لكنه حافظ على مكانته وهيبته
ولا يزال حتى اليوم يستقبل المصلين والزائرين كرمز لبداية التاريخ الإسلامي في مصر، وعلى الجانب الآخر نجد الكنيسة المعلقة، واحدة من أشهر الكنائس القبطية الأثرية في القاهرة، وسميت بالمعلقة لأنها بنيت فوق بوابة من أبراج حصن بابليون على ارتفاع ملحوظ، مما يمنحها مظهرا فريدا، ويعود تاريخ الكنيسة إلى القرون الأولى للمسيحية، وقد شهدت أحداثا مهمة في التاريخ القبطي، وكانت مقرا لباباوات الكنيسة الأرثوذكسية لفترات طويلة، وعندما تدخلها تشعر أنك أمام معلم معماري فريد يضم أعمدة قديمة نادرة وزخارف مبهرة تروي قصصا دينية وروحية عميقة.وفي نفس المنطقة يقع معبد بن عزرا اليهودي، وهو من أبرز المعابد اليهودية التي بقيت في مصر، تاريخه متشابك مع تاريخ المكان، فقد كان في الأصل كنيسة قبطية قبل أن يشتريه اليهود في عهد الدولة الطولونية، ليصبح واحدا من أهم مراكز اليهود في مصر، وارتبط المعبد بعدة أساطير ومعتقدات دينية، منها أنه المكان الذي وجد فيه التابوت الذي حمل النبي موسى وهو طفل، أو أنه المكان الذي شهد وقائع تاريخية ارتبطت باليهود في مصر القديمة، ورغم أن الوجود اليهودي في مصر تضاءل كثيرا مع مرور الزمن، إلا أن المعبد ما زال شاهدا على تلك المرحلة من تاريخ البلاد، حتى أصبح مجمع الأديان ليس مجرد مجموعة مبان متجاورة، بل هو رسالة حية عن التنوع والتسامح، وأصبح المكان اليوم مقصدا سياحيا وروحانيا مهما يزوره السياح من مختلف دول العالم ليتعرفوا على هذا التراث الاستثنائي، ويزوره المصريون أيضا ليستعيدوا الشعور بالانتماء والهوية، وقامت وزارة السياحة والآثار خلال السنوات الأخيرة بترميم كثير من المباني هناك، خاصة الكنيسة المعلقة التي حظيت بعناية خاصة نظرا لأهميتها التاريخية والفنية، كذلك يتم الاهتمام بتأهيل المنطقة لتستوعب الزوار بشكل أفضل، مع الحفاظ على روحها التاريخية.




