dhl
dhl

خالد العناني.. المصري الذي قاد الثقافة نحو العالمية وتربع على عرش اليونسكو

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في إنجاز تاريخي غير مسبوق، خطّت مصر اسمها بحروف من ذهب في سجلّ الثقافة العالمية، بعد فوز الدكتور خالد العناني بمنصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونسكو.بهذا الفوز يصبح العناني أول مصري وعربي يتولى قيادة المنظمة، وثاني إفريقي فقط يتبوأ هذا المنصب منذ تأسيس اليونسكو قبل نحو ثمانية عقود.هذا الحدث لم يكن مجرد فوز شخصي، بل علامة فارقة في الحضور العربي داخل المؤسسات الدولية، ورسالة قوية بأن مصر لا تزال تمتلك من الكفاءات والعقول ما يجعلها في مقدمة الأمم.

• سيرة تليق بالمكانة

وُلد الدكتور خالد أحمد العناني في 14 مارس عام 1971 بمحافظة الجيزة، ونشأ منذ صغره مولعًا بالحضارة المصرية القديمة.اختار أن يكرّس حياته لدراسة علم المصريات، حتى حصل على الدكتوراه، وأصبح أستاذًا بارزًا في جامعة حلوان، يُدرّس ويبحث في تاريخ الفراعنة والكتابات الهيروغليفية وأسرار العمارة القديمة.تميز العناني بشغفه الأكاديمي العميق وقدرته على ربط الماضي بالحاضر، فكان يؤمن أن التاريخ ليس ماضيًا يُروى، بل هو طاقة حضارية تُبنى عليها الأمم.ومن هنا بدأ مشواره نحو العمل العام، واضعًا خبرته العلمية في خدمة الوطن.

• من مقاعد الجامعة إلى قيادة وزارة الآثار

في عام 2016، عُيّن الدكتور خالد العناني وزيرًا للآثار، ليقود مرحلة جديدة من إحياء التراث المصري.وبعد دمج وزارتي السياحة والآثار عام 2019، أصبح أول وزير للسياحة والآثار معًا، وهو ما شكّل تجربة فريدة جمعت بين إدارة السياحة الحديثة وصون الهوية التاريخية.خلال فترة عمله، أطلق مشروعات ضخمة غيّرت المشهد الثقافي والسياحي في مصر، من أبرزها:افتتاح المتحف القومي للحضارة المصرية في الفسطاط، الذي شهد الموكب الذهبي للمومياوات الملكية عام 2021، في مشهد أبهر العالم وأعاد مصر إلى صدارة السياحة الثقافية.إعادة فتح المتحف المصري بالتحرير بعد تطويره وتحديث معروضاته.ترميم معبد الكرنك ومعبد الأقصر وعدد كبير من المواقع الأثرية في الصعيد والدلتا.إطلاق مبادرات للترويج السياحي تحت شعار “اكتشف مصر من جديد”، بهدف جذب السياحة الثقافية والعائلية.لقد استطاع العناني أن يربط بين الهوية الحضارية وقوة الحضور الدولي، وأن يقدّم لمصر وجهًا معاصرًا يحترم جذورها ويخاطب العالم بلغته.

• من القاهرة إلى باريس.. الطريق نحو اليونسكو

حين أعلن الدكتور خالد العناني في عام 2023 ترشّحه رسميًا لمنصب المدير العام لليونسكو، لم يكن ذلك مغامرة دبلوماسية، بل امتدادًا طبيعيًا لمسيرته العلمية والإنسانية.اختار شعار حملته: “UNESCO for the People” – اليونسكو من أجل الشعوب.تحت هذا الشعار قدّم رؤية متكاملة لإعادة إحياء دور المنظمة في:نشر التعليم الجيد للجميع، خاصة في الدول النامية.حماية التراث العالمي في مناطق النزاعات.تعزيز الحوار بين الثقافات.إشراك الشباب في صُنع السياسات الثقافية والعلمية.ضمان تمويل مستدام ومستقل لأنشطة المنظمة بعيدًا عن التجاذبات السياسية.حملته حظيت بدعم قوي من الاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، وعدد كبير من الدول الأوروبية والآسيوية، التي رأت فيه مرشحًا متوازنًا يجمع بين الخبرة الأكاديمية والرؤية الإدارية.وفي السادس من أكتوبر 2025 – تاريخ يحمل رمزية خاصة للمصريين – حسم المجلس التنفيذي لليونسكو التصويت لصالحه بـ 55 صوتًا من أصل 57، مقابل صوتين فقط لمنافسه.وبذلك أصبح خالد العناني أول عربي يقود اليونسكو منذ تأسيسها عام 1945، وثاني إفريقي بعد السنغالي أحمد مختار مباي.يحمل فوز خالد العناني بهذا المنصب معاني عميقة على المستويين المصري والعالمي:1. دبلوماسيًا: أعاد لمصر حضورها الثقافي الدولي بعد سنوات من الغياب النسبي، وأثبت أن القاهرة قادرة على تقديم قيادة فكرية معتدلة ومستنيرة.2. ثقافيًا: يمثل فوزه خطوة نحو دعم قضايا الهوية والتراث في مواجهة العولمة السطحية التي تهدد التنوع الثقافي.3. إفريقيًا: يعيد التوازن في تمثيل القارة داخل المنظمات الدولية الكبرى، ويمنح صوتًا جديدًا للدول النامية في قضايا التعليم والثقافة.4. إنسانيًا: يرسّخ فكرة أن الثقافة ليست رفاهية، بل ركيزة أساسية لبناء السلام العالمي.

• التحديات المقبلة

على الرغم من هذا الفوز الكبير، يدرك الدكتور خالد العناني أن أمامه مسؤوليات جسيمة، من أبرزها:•إصلاح هيكل تمويل اليونسكو بعد انسحاب بعض الدول الممولة.• توسيع برامج التعليم ومحو الأمية الرقمية في الدول الفقيرة.• تعزيز دور المنظمة في حماية التراث الثقافي في مناطق النزاع والحروب.• تحقيق توازن بين الشفافية والاستقلال عن الضغوط السياسية.غير أن مسيرته المليئة بالنجاحات تؤكد أنه يمتلك الخبرة والحنكة التي تؤهله لتخطي تلك التحديات بثقة واقتدار.لم يكن فوز خالد العناني مجرد تتويج لمسيرة فرد، بل هو تكليل لعقود من الجهود المصرية في نشر الثقافة والحفاظ على التراث.فمن أرض الأهرامات ومهد الحضارة، يخرج اليوم عالم مصري ليقود مؤسسة عالمية شعارها “العلم والثقافة والسلام”.إنه فوز لكل مصري وعربي وإفريقي يؤمن بأن المعرفة أقوى من الحدود، والثقافة لغة لا تعرف الانقسام.وبينما يستعد الدكتور خالد العناني لتسلّم مهامه رسميًا، يعلو في نفوس المصريين شعور بالفخر والأمل، بأن مصر ستظل دائمًا قلب الحضارة النابض في العالم.يُعدّ الدكتور خالد العناني نموذجًا للعالم المخلص والإنسان المثقف، الذي جمع بين العلم والعمل، وبين التاريخ والمستقبل.

إن صعوده إلى قمة منظمة اليونسكو ليس مجرد نجاح شخصي، بل رسالة حضارية من مصر إلى العالم تقول: “نحن أبناء حضارة علّمت الدنيا معنى الثقافة والسلام، وما زلنا قادرين على العطاء.”

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.