القاهرة – نهاد شعبان:
في يوم السادس من أكتوبر عام 2025، احتفلت مصر بإنجاز دبلوماسي وثقافي كبير بعد إعلان فوز الدكتور خالد العناني، وزير السياحة والآثار، بمنصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، وهذا هذا الحدث لم يكن مجرد فوز شخصي لمسئول مصري، بل يمثل تتويجا جديدا لمكانة مصر الثقافية والحضارية على الساحة الدولية، ويعكس نجاح الدبلوماسية المصرية في إيصال صوتها للعالم من خلال الكفاءات والخبرات التي تمتلكها، كما يعد انتخاب العناني لهذا المنصب التاريخي خطوة غير مسبوقة في تاريخ المنظمة، إذ أصبح أول عربي يتولى هذا المنصب منذ تأسيس اليونسكو عام 1945، وثاني إفريقي بعد السنغالي أمادو معطار مبو، ويتم النظر إلى هذا التعيين بوصفه إنجازا لمصر والعالم العربي والقارة الإفريقية بأسرها، لما يحمله من رمزية ودلالة على الاعتراف الدولي بقدرة المنطقة على تقديم قيادة فاعلة في مؤسسات الأمم المتحدة.الدكتور خالد العناني من مواليد عام 1971، وهو أستاذ متخصص في علم المصريات بجامعة حلوان، وله مسيرة حافلة في مجال الآثار والثقافة، شغل منصب وزير الآثار ثم وزير السياحة والآثار، ونجح خلال فترة توليه الوزارة في تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى التي أعادت لمصر بريقها في مجال السياحة الثقافية، من بينها افتتاح المتحف القومي للحضارة المصرية، ونقل المومياوات الملكية في موكب مهيب أبهر العالم، بالإضافة إلى أعمال ترميم واسعة في مواقع أثرية متعددة، وقد عرف عنه الجمع بين الرؤية الأكاديمية الدقيقة والقدرة التنفيذية والإدارية.
وهي صفات جعلت ترشيحه لليونسكو يحظى بدعم واسع على المستويين الإقليمي والدولي، بدأت رحلة ترشيح العناني للمنصب في عام 2023، عندما أعلنت مصر رسميا تقديمه كمرشحها، وسرعان ما حصل على دعم جامعة الدول العربية ليكون المرشح العربي الوحيد، ثم تبناه الاتحاد الإفريقي ليصبح ممثل القارة في السباق على قيادة المنظمة، هذا التنسيق العربي والأفريقي مكن القاهرة من بناء تحالف قوي، استمر حتى لحظة التصويت الحاسمة داخل المجلس التنفيذي لليونسكو في أكتوبر 2025، والتي انتهت بفوز العناني بأغلبية ساحقة، إذ حصل على 55 صوتا مقابل صوتين لمنافسه من الكونغو، في حين امتنعت بعض الدول عن التصويت، ومن المقرر أن تصادق الجمعية العامة للمنظمة على تعيينه رسميا خلال اجتماعها المقبل في نوفمبر بمدينة سمرقند في أوزبكستان، وهذا الفوز يحمل دلالات عميقة على المستويين الوطني والدولي، فمن ناحية، يعكس تقدير العالم لمكانة مصر التاريخية كحاضنة للحضارة والثقافة، ودورها الرائد في دعم التعليم والبحث العلمي وحماية التراث الإنساني، كما يبرز قدرة الدولة المصرية على الدفع بكفاءات قادرة على تولي مناصب دولية مرموقة في مؤسسات الأمم المتحدة، مستندة إلى تاريخ طويل من العمل الثقافي والمعرفي، ومن ناحية أخرى، فإن هذا الفوز يمثل نقلة نوعية للعالم العربي في الساحة الدولية، حيث يسهم في تعزيز الحضور العربي داخل المنظمات الأممية، ويدعم فكرة التوازن في تمثيل الثقافات والحضارات المختلفة في قيادة المؤسسات العالمية.ويرى الكثيرون من أن انتخاب العناني يفتح أمام اليونسكو مرحلة جديدة من العمل، تقوم على إعادة التركيز على قضايا التراث الإنساني في العالم العربي وإفريقيا، وعلى توسيع مجالات التعاون في التعليم والثقافة والعلوم، فبفضل خبرته الواسعة في إدارة المشروعات التراثية، من المتوقع أن يسعى إلى تطوير برامج لحماية الآثار والمواقع التاريخية، وتشجيع الدول النامية على استثمار تراثها الثقافي كمصدر للتنمية المستدامة، كما ينتظر أن يعمل على دعم المشاريع التي تحفظ اللغات المحلية والتراث غير المادي، وتعزيز التعليم في المناطق الفقيرة، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة التي تتبناها الأمم المتحدة، لكن هذا الإنجاز الكبير لا يخلو من الصعوبات، فاليونسكو تواجه منذ سنوات أزمة مالية نتيجة انسحاب أو تقليص مساهمات بعض الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وسيكون على المدير العام الجديد البحث عن حلول مبتكرة لتأمين التمويل اللازم للمشروعات الحيوية، سواء عبر شراكات مع القطاع الخاص أو من خلال دعم الدول الأعضاء، كما سيواجه العناني تحديات سياسية معقدة، إذ كثيرا ما تجد المنظمة نفسها وسط تجاذبات سياسية تتعلق بالهوية الثقافية والتراث والنزاعات الإقليمية، الأمر الذي يتطلب منه قدرا عاليا من الحكمة للحفاظ على استقلالية القرار داخل المؤسسة.




