dhl
dhl

جيسيكا ريدل تكتب: الديون.. أزمة أميركية – أوروبية

تتجه ديون واشنطن المتفاقمة نحو مسار لا يمكنه أن يستمر دون انهيار. ومن يشكك في ذلك، عليه النظر في الأزمات المالية والاحتجاجات والفوضى السياسية التي تحدث خارج حدودنا.ففي العقد الثاني من القرن 21، أنفقت الحكومات في جميع أنحاء العالم نحو 1.3 تريليون دولار سنوياً كفوائد على ديونها. واليوم، مع ارتفاع أسعار الفائدة على الديون والقروض إلى 2.7 تريليون دولار هذا العام، يتوقع أن تصل إلى 3.9 تريليون خلال خمس سنوات.ويمثل هذا الانهيار مؤشراً على الإفراط في الاقتراض طويل الأجل، والتي كان الدافع الرئيسي وراءها هو شيخوخة السكان وضعف النمو الاقتصادي.وإذا نظرنا إلى الفوضى المالية في بريطانيا، نجد أن التركيبة السكانية المُسنة، من جيل الطفرة السكانية المتقدم في السن ومعدل الخصوبة المنخفض، أقل من 1.5 طفل لكل امرأة، أدت إلى ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات إلى مستويات تفوق قدرة قاعدة دافعي الضرائب الراكدة على تمويلها.ومع تباطؤ نمو القوى العاملة وضعف إنتاجيتها، اختنق الاقتصاد البريطاني، ولم يتجاوز نموه 2% سنوياً منذ عام 2000، ولا تتوقع تقديرات الخبراء تحسناً يُذكر في المستقبل القريب.ورغم عجز الاقتصاد البريطاني عن تمويل نفقات شيخوخة السكان، فإنه يمول موجة الاقتراض الناتجة بأعلى أسعار فائدة منذ التسعينيات، ما جعل تكاليف الفائدة تقارب 10% من الإنفاق العام، أي ما يقرب من 50% أعلى من ميزانية الدفاع. ويحذر مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني من أن الدين الحالي، الذي يقل قليلاً عن 100% من اقتصاد البلاد، في طريقه إلى 270% خلال خمسة عقود، وهو ما سيتجاوز قدرة الحكومة المعقولة على الاقتراض.ومع ذلك، لا تزال بريطانيا في حالة إنكار، فقد ضخت زيادة ضريبية تاريخية العام الماضي في الإنفاق الحكومي بدلاً من سد الفجوة المالية، وأدى إصرارها على عدم إصلاح الإنفاق إلى المطالبة بزيادة ضريبية أخرى.أما الفوضى المالية في فرنسا، فقد أدت إلى انهيار الحكومة الحالية. والقصة مألوفة، إذ أن شيخوخة جيل طفرة المواليد ومعدل الخصوبة البالغ 1.7 يرجحان زيادة عدد الوفيات السنوية في فرنسا على عدد المواليد بحلول عام 2027، مما يطالب بعودة جميع الزيادات السكانية الصافية من الهجرة، التي تواجه بدورها اعتراضات سياسية.وكما هو الحال مع جارتها عبر القناة، فإن ضعف إنتاجية فرنسا وركود حجم القوى العاملة قد حصرا النمو الاقتصادي عند 1.2% سنوياً خلال العقد الماضي.وفي الاتحاد الأوروبي، تأتي فرنسا في المركز الثالث بعد اليونان وإيطاليا من حيث ارتفاع الديون، حيث بلغت ديونها 116% من الناتج المحلي الإجمالي، وتتجه إلى 130% خلال عقد من الزمن.ومن المتوقع أن ترتفع تكاليف الفائدة السنوية بمقدار الثلثين على مدى خمس سنوات، وقد تصبح أغلى بند في الموازنة. ولم يكن مفاجئاً أن تخفض وكالة «موديز» التصنيف الائتماني للحكومة الفرنسية في ديسمبر الماضي.وحاولت إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البداية تعزيز اقتصادها عبر زيادة الاقتراض للاستثمارات الحكومية وإعفاء الشركات من الضرائب. وعندما فشل ذلك، لجأ إلى إصدار قانون عام 2023 برفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً، وهو ما أثار احتجاجات ضخمة استمرت أسبوعين، كما أدت الدعوات الأخيرة لإصلاحات تقشفية متواضعة، إلى انهيار الحكومة. إلا أن التقشف الفرنسي أصبح أمراً لا مفر منه اقتصادياً.ورغم ذلك، لاتزال فرنسا و بريطانيا أفضل حالاً من الولايات المتحدة، التي يبلغ عجز ميزانيتها حوالي تريليوني دولار سنوياً، ويتوقع أن يصل إلى 4 تريليونات دولار خلال عقد. وإذا استمرت السياسات الحالية، قد يرتفع العجز إلى 14% من الناتج المحلي، فيما يقفز الدين العام إلى نحو 250% خلال ثلاثين عاماً.وتعود هذه الأزمة إلى عاملين رئيسيين يشبهان ما يحدث في فرنسا وبريطانيا.أولاً، التحدي الديموغرافي، حيث سيؤدي تقاعد 74 مليوناً من جيل طفرة المواليد، مع انخفاض معدلات الخصوبة، إلى تراجع نمو القوى العاملة إلى الصفر، مما يجعل النمو السكاني معتمداً على الهجرة، التي قد تكون مقيدة.ومع قلة عدد العمال المتبقين لتمويل كل متقاعد، يواجه الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية عجزاً سنوياً مشتركاً قدره 700 مليار دولار هذا العام، يرتفع إلى 2.2 تريليون دولار خلال عقد، ليصل إلى 122 تريليون دولار على مدى ثلاثة عقود عند إضافة تكاليف الفائدة الناتجة.ثانياً، التحدي الاقتصادي، إذ يتطلب تمويل هذه المزايا التقاعدية نمواً اقتصادياً قوياً، غير أن تباطؤ اتجاهات القوى العاملة والإنتاجية أدى إلى انخفاض النمو الاقتصادي السنوي إلى 2.1% منذ عام 2000.والأسوأ أن مكتب الميزانية في الكونجرس يتوقع نمواً سنوياً بنسبة 1.8% فقط في المستقبل مع اتجاه نمو القوى العاملة نحو الصفر.وكان الأمل الأخير لأميركا هو على الأقل سد الفجوة بالاقتراض منخفض التكلفة.وفي العقد الثاني من القرن الـ21، اقترضت الحكومة بكثافة بفضل أسعار الفائدة المنخفضة التي توقع مكتب الميزانية في الكونجرس ألا تتجاوز 4%. لكن هذا الرخاء في أسعار الفائدة المنخفضة كان ضحية لارتفاع التضخم، وتشديد سياسات الاحتياطي الفيدرالي، وانخفاض تدفقات الادخار العالمية.ولم يعد هناك مخرج سهل بعد إغلاق هذا الباب الأخير للاقتراض فائق الرخص. فالاقتصاد الأميركي، وقواه العاملة، وقانونه الضريبي غير مجهزين لتمويل العجز المتزايد في الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية. وبينما تناقش فرنسا وبريطانيا على الأقل الحلول، تواصل الولايات المتحدة خفض الضرائب، وزيادة المزايا، وتجاهل عجز الميزانية الهائل. ومع ذلك، فإن قوانين الرياضيات والاقتصاد تنتصر في النهاية دوماً، والأميركيون غير مستعدين إطلاقاً للقادم.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.