القاهرة – نهاد شعبان:
تواصل مصر خطواتها الثابتة نحو التحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، من خلال مشروعات عملاقة تسعى إلى استغلال مواردها الطبيعية في إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، ومن بين أبرز هذه المشروعات التي لفتت أنظار العالم مؤخرا، يأتي مشروع أمونت للطاقة المتجددة بمدينة رأس غارب بمحافظة البحر الأحمر، والذي يعد نموذجا فريدا للتعاون بين الدولة والقطاع الخاص، ورمزا لرؤية مصر الطموحة نحو مستقبل يعتمد على الطاقة النظيفة والمستدامة، حيث يقع مشروع أمونت على بعد نحو 25 كيلومترا شمال مدينة رأس غارب، في موقع استراتيجي يتميز بوفرة الرياح والشمس على مدار العام، وهو ما يجعل المنطقة من أفضل المواقع في العالم لتوليد الطاقة المتجددة.
ويهدف المشروع إلى إنشاء مجمع ضخم لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تتجاوز 500 ميجاوات، كمرحلة أولى ضمن خطة أكبر تستهدف الوصول إلى أكثر من 1000 ميجاوات في المستقبل القريب، ويأتي تنفيذ المشروع ضمن استراتيجية مصر للطاقة المستدامة 2035، التي تسعى إلى رفع نسبة مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول عام 2035، حيث أوضح المهندس محمد شوقي، مدير إدارة مشروعات الطاقة الجديدة في هيئة الطاقة المتجددة أن مشروع أمونت يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق مزيج الطاقة الأمثل في مصر، فهو يربط بين استغلال الموارد الطبيعية المتجددة وتطبيق التكنولوجيا الحديثة بطريقة فعالة واقتصادية، كما ينفذ مشروع أمونت بنظام الشراكة بين الحكومة وعدد من الشركات الدولية المتخصصة في مجالات الطاقة النظيفة، من بينها شركات أوروبية وآسيوية رائدة في تصميم وتشغيل محطات الرياح والطاقة الشمسية، وتم توقيع الاتفاقيات الخاصة بالمشروع مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، لتأمين الإشراف الفني وضمان التوافق مع المعايير البيئية العالمية.ومن جانبه، أكد الدكتور أيمن حمزة، المتحدث الرسمي باسم وزارة الكهرباء، أن المشروع يأتي ضمن سلسلة من المشروعات الكبرى التي تستهدف تعزيز أمن الطاقة وتخفيف الانبعاثات الكربونية، مضيفا أن الموقع في رأس غارب يتمتع بسرعة رياح تتجاوز 9 أمتار في الثانية، ما يتيح إنتاجا مستقرا ومناسبا لشبكة الكهرباء القومية، إلى جانب الاستفادة من الطاقة الشمسية التي تكمل عمل التوربينات خلال ساعات الهدوء، ويعتمد المشروع على أحدث أنظمة التوربينات الهوائية والألواح الشمسية ذات الكفاءة العالية، التي تضمن أقصى استفادة من الموارد الطبيعية مع أقل تأثير بيئي ممكن، حيث تم تصميم التوربينات بحيث تتحمل الظروف المناخية الصعبة في البحر الأحمر، بما في ذلك الرياح الشديدة والرطوبة العالية، كما تم تزويدها بأنظمة مراقبة ذكية تسمح بتحليل الأداء في الوقت الحقيقي وتقليل فترات التوقف، وتم تنفيذ دراسات بيئية دقيقة لضمان حماية الحياة البرية والبحرية في المنطقة، خاصة أن رأس غارب تعد موطنا لأنواع نادرة من الطيور المهاجرة.ولا تقتصر أهمية مشروع أمونت على البعد البيئي فقط، بل تمتد إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية ضخمة للمنطقة، فقد وفر المشروع منذ بدء إنشائه مئات من فرص العمل لأبناء البحر الأحمر، سواء في مرحلة الإنشاء أو في التشغيل والصيانة لاحقا، كما يسهم المشروع في تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال دعم الصناعات والخدمات المرتبطة بالطاقة مثل النقل، والصيانة، والمقاولات، والإمداد الكهربائي، وتشير التقديرات إلى أن المشروع سيوفر ما يعادل نحو 800 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويا، وهي كمية تماثل زراعة أكثر من عشرة ملايين شجرة سنويا، ما يجعله واحدا من أهم المشروعات البيئية في المنطقة العربية.




