القاهرة – نهاد شعبان:
سبعة وعشرون عاما قضاها خلف القضبان يردد عبارة واحدة لا يمل منها:” أنا مظلوم”، سنوات طويلة مرت على عبد الفتاح علي إبراهيم العجمي، أو كما كان يلقب بـ”عم عجمي” ابن قرية إسنيد بمركز كفر شكر في محافظة القليوبية، وهو محبوس داخل السجن متهما بقتل وسرقة سيدة مسنة لم يعرفها يوما، بينما لم يصدقه أحد، ومع ذلك لم يفقد إيمانه بعدالة الله، ولم ييأس من رحمته، فظل يدعوه ليلا ونهارا أن ينقذه من محنته، حتى استجاب له القدر بعد ما يقارب ثلاثة عقود من الظل، ففي عام 1991، كان العجمي شابا في الثانية والعشرين من عمره، يعمل بجد ليبدأ حياته، لكن فجأة انقلبت حياته رأسا على عقب حين تم القبض عليه بتهمة قتل وسرقة سيدة مسنة من قريته، بناء على شهادة شخصين زعما أنه الجاني، لم يكن يعلم عن الجريمة شيئا، لكن شهادتهما كانت كافية لزجه في السجن، وتحولت القضية إلى كابوس طويل انتهى بإحالة أوراقه إلى فضيلة المفتي، تمهيدا لتنفيذ حكم الإعدام.
يقول “العجمي” عن تلك اللحظة في أحد اللقاءات التلفزيونية له:” كنت متأكد إن ربنا مش هيسيبني، بس الحكم وقع علي زي الصاعقة، ما كنتش مصدق إن ممكن إنسان بريء يلبس قضية بالشكل ده”، وعقب صدور الحكم، تم ترحيله من سجن بنها إلى سجن طنطا العمومي، وهناك عاش ثلاث سنوات كاملة مرتديا بدلة الإعدام الحمراء، لا يفصل بينه وبين الموت سوى موعد التنفيذ، ومع ذلك، تقبل قضاء الله برضا وصبر، موقنا أن عدالة السماء ستنصفه يوما، لكن الصدمة كانت حين ألغت محكمة النقض الحكم الأول، لتعاد محاكمته من جديد، فيظن أن الفرج اقترب، إلا أن المحكمة قررت إحالته إلى المفتي للمرة الثانية، ليعيش من جديد تحت وطأة الخوف ذاته، مرتديا لباس الموت، حيث تم نقله بعدها إلى سجن شبين الكوم، حيث قضى عامين في زنزانة مغلقة بلا دورة مياه، في ظروف إنسانية قاسية، لا يراها أحد، ورغم قسوة التجربة، ظل العجمي صابرا محتسبا، يقضي لياليه في تلاوة القرآن والدعاء، كان يدعو الله أن يرفع عنه الظلم، ويكشف الحقيقة، مؤمنا بأن العدل الإلهي لا يضيع مهما طال الزمن، وفي لحظة رحمة، جاء الفرج الأول حين قبلت محكمة النقض استئنافه وألغت حكم الإعدام، لتخفف العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، تم ترحيله بعدها إلى سجن طرة لمدة ستة أشهر، ثم أعيد مرة أخرى إلى سجن شبين لاستكمال العقوبة.وفي عام 2003، وبينما كان يقضي عامه الثالث عشر داخل السجن، فوجئ العجمي بمفاجأة غيرت مصيره للأبد، فقد التقى بأحد أبناء قريته، كان محبوسا في قضية تتعلق بالأموال العامة، وبعد أيام قليلة من لقائهما، انفجر الرجل بالبكاء أمام السجناء، واعترف بأنه هو القاتل الحقيقي للسيدة المسنة التي حكم على العجمي بقتلها ظلما، وتم تحرير محضر بالواقعة من إدارة السجن، وإخطار النيابة العامة، وبدأت التحقيقات فورا، وبعد سنوات من العذاب، انكشفت الحقيقة وسقطت التهمة التي دمرت حياة رجل بريء، ورغم ظهور براءته، لم يخرج العجمي فورا، حيث استمر سجنه حتى عام 2018، حين قرر أن يكتب التماسا إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، عبر فيه عن أمله الأخير في رؤية الحرية بعد ما يقارب ثلاثة عقود من الظلم، وكتب بخط مرتجف رسالة مؤثرة قال فيها: “أنا محبوس من كأس عالم 90، ونفسي أروح روسيا أشوف كأس العالم، ونفسي أزور قبر أمي وأنا صاحي”، وبعد خمسة عشر يوما فقط من تقديم الخطاب، جاءت الاستجابة الرئاسية بالعفو عنه، ليخرج إلى النور بعد 27 عاما من الغياب، خمس منها قضاها ببدلة الإعدام ينتظر الموت في أي لحظة.




