القاهرة – نهاد شعبان:
بالقرب من ميدان العتبة المزدحم بالبضائع والمحلات، ستجد نفسك أمام سور الأزبكية حائرا بين رائحة الورق العتيق وأصوات الباعة، حيث تتكدس آلاف الكتب على الأرصفة وفي الدكاكين الضيقة، لتباع أحيانا بالصفحات أو بالكيلو، في مشهد يجسد مفارقة صارخة وهي أن الثقافة التي كانت يوما زاد العقول، أصبحت سلعة تباع بالسعر والوزن، ويعود تاريخ سور الأزبكية إلى أكثر من مائة عام، حين كانت القاهرة تزهو بثقافتها ومكتباتها العامرة، وفي بدايات القرن العشرين كان الميدان يضم نخبة من المثقفين، وكتابا وشعراء يطوفون بين أكوام الكتب يبحثون عن إصدارات نادرة ومخطوطات قديمة، ومع مرور الزمن تحول المكان إلى مقصد لكل باحث عن المعرفة الرخيصة أو الكتاب المنسي.
من جانبه، يقول الحاج عبد الحميد مصطفى، أحد أقدم الباعة في السوق منذ أكثر من أربعين عاما:” كنت أبيع الكتب الجديدة في السبعينيات، أما اليوم فأغلب رزقي من الكتب المستعملة والممزقة، زمان كان الزبون بيدور على الفكر، دلوقتي بيدور على السعر”، مضيفا أن:” الأسعار بقت تتحكم في كل شيئ ودلوقتي بقى فيه كتب بتتباع بـ 10جنيه و5 جنيه أو أقل على حسب الكتاب نفسه”، متابعا:” هنا ممكن تلاقي كتاب مش هتلاقيه في أي مكتبة تانية، بس لازم تدور كويس وتفاصل، السوق ده زي منجم، كل حاجة فيه على الحظ”، وبين الحارات الضيقة الممتدة خلف سور الأزبكية العتيق، تعرض الكتب كما تعرض الخضراوات، روايات عالمية بجنيهين، ومجلدات في الفلسفة أو التاريخ تباع بالكيلو، كما تتراكم طبعات مهترئة من كتب طه حسين ونجيب محفوظ والعقاد، بينما تلمع على الغلاف طبعة جديدة لرواية “تريند” بألوان جذابة وورق لامع، ورغم ذلك فإن الزبائن متنوعون ما بين طلاب جامعات يبحثون عن مراجع زهيدة، ومثقفون يطاردون نسخة نادرة، وشباب يأتون بدافع الفضول أكثر من الرغبة في القراءة.ورغم سحر المكان وتاريخه، فإن سوق الأزبكية لم يسلم من التراجع، فمع صعود الإنترنت والكتب الإلكترونية، تضاءل الإقبال على الكتب الورقية، ويؤكد الباعة أن المبيعات انخفضت إلى أقل من النصف خلال السنوات الأخيرة، لكن على الجانب الآخر، لا يزال للسوق رواده المخلصون، فهناك من يأتي خصيصا من المحافظات بحثا عن طبعات قديمة أو إصدارات محظورة، وهناك من يرى في الأزبكية آخر قلاع الورق في زمن السرعة الرقمية، فعند مدخل السوق، تجلس السيدة أم حسين، بائعة في الخمسين من عمرها، أمام كومة من الكتب المتهالكة، تفرزها بعناية وكأنها كنوز، حيث تقول:” أنا ما بعرفش أقرأ، بس بحب الكتب، بحس إنها بتتكلم، وكل كتاب له ريحة وشخصية، في ناس بتيجي تدور على كتاب معين، ولما تلاقيه بتفرح كأنه لقى ابنه الضايع”، مضيفة:” في زبون جالي من أسبوع اشترى 5 كيلو كتب بـ 60 جنيه، قال لي دي وجبة ثقافية متكاملة”، والمفارقة الأكبر في سوق الأزبكية ليست فقط أن الثقافة تباع بالكيلو، بل أن القيمة الفكرية صارت تخضع لقانون العرض والطلب، فبينما تزدحم رفوف المكتبات الراقية في المولات بالكتب الفاخرة، يقف على الرصيف كتاب نادر فقد غلافه ينتظر من يشتريه بعشرة جنيهات.




