dhl
dhl

كفالة الأيتام واجب إنساني ولكن بشروط

القاهرة – نهاد شعبان:

في مجتمع يقوم على قيم الرحمة والتكافل، تظل كفالة الأيتام من أسمى صور الإنسانية التي تجسد معاني العطاء والتراحم، فهي لا تقتصر على إطعام طفل أو كسوته، بل تمتد إلى احتضانه نفسيا واجتماعيا وتعليمه وتأهيله ليصبح فردا نافعا في المجتمع، لكن هذه الكفالة، رغم أهميتها، ليست عملا عاطفيا مطلقا، بل مسؤولية كبرى تحكمها شروط وضوابط تضمن مصلحة اليتيم وتحفظ كرامته وحقوقه، حيث يولي الدين الإسلامي عناية كبيرة بالأيتام، ويجعل رعايتهم من علامات الإيمان الصادق، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم:” أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة” وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى، لكن الكفالة لا تعني التبني بالمعنى الغربي، أي نسب الطفل إلى غير والده، بل هي رعاية وتربية ونفقة دون المساس بنسبه الشرعي، فالمبدأ الإنساني الذي يقوم عليه الإسلام هو كفالة الحقوق لا مجرد إشباع العواطف، ومن هنا جاءت التشريعات الحديثة لتضع شروطا ومعايير تحمي الطفل وتضمن له بيئة سوية.تخلط الناس المفاهيم كثيرا بين التبني والكفالة، في حين يسمح بالتبني في بعض الثقافات، فإن الإسلام يرفض تغيير نسب الطفل حفاظا على الهوية العائلية والوراثية، أما الكفالة فهي أن يتولى شخص أو أسرة رعاية اليتيم ماديا ومعنويا داخل بيتهم، مع بقاء نسبه الأصلي مثبتا في الأوراق الرسمية، هذه التفرقة الدقيقة تضمن للطفل أن يعيش حياة طبيعية دون أن يفقد جذوره أو يحرم من حقوقه المستقبلية، وفي مصر والعديد من الدول العربية، تتولى وزارة التضامن الاجتماعي تنظيم برامج كفالة الأيتام، وقد أُطلقت مبادرات لتشجيع الأسر على الكفالة المنزلية بدلا من الإقامة في دور الرعاية، لما لذلك من أثر نفسي إيجابي على الطفل، ومن بين هذه المبادرات برنامج الأسر البديلة الذي يتيح للأسرة رعاية الطفل اليتيم داخل منزلها بعد استيفاء مجموعة من الشروط القانونية، وتؤكد الوزارة أن الهدف هو منح الطفل بيتا آمنا، لا مجرد مأوى، وأن المتابعة الدورية ضرورية لضمان حسن الرعاية.

وبحسب اللوائح الرسمية، تخضع الكفالة لعدد من الشروط الأساسية، من أهمها أن تكون الأسرة مصرية، مستقرة، تتمتع بحسن السيرة والسلوك، وأن يكون الزوجان قد بلغا سن الثلاثين على الأقل، وقادرين ماديا ومعنويا على تربية الطفل، وأن توفر بيئة نفسية وصحية مناسبة للطفل المكفول، وألا ينسب الطفل إلى الكافلين، ويحتفظ بوثائقه الأصلية، وإخضاع الأسرة للمتابعة الدورية من قبل الجهات المختصة للتأكد من استمرار الرعاية الجيدة، هذه الشروط ليست قيودا، بل ضمانات لحقوق الطفل أولا، ولضمان أن تكون النية صادقة والقدرة متوفرة، ومن الناحية النفسية، تظهر الدراسات أن الأطفال الذين يعيشون في بيئة أسرية بديلة يتمتعون بتوازن نفسي أفضل من أولئك الذين ينشأون في دور الرعاية، فالأسرة تمنحهم الاحتواء والدفء العاطفي والشعور بالانتماء، وهي عناصر أساسية في بناء شخصية سوية، لكن في المقابل، هناك تحديات تحتاج إلى وعي خاص من الأسر المكفلة، مثل كيفية التعامل مع أسئلة الطفل حول أصوله، وتجنب إشعاره بالاختلاف أو النقص، وينصح الخبراء بأن تتم المصارحة تدريجيا بطريقة تربوية، مع الحفاظ على احترام ماضي الطفل وعدم جعله موضوعا للشفقة.كما أن المؤسسات الأهلية تلعب دورا مكملا للدولة في دعم الأيتام، فهي توفر التدريب للأسر، وتقدم مساعدات مالية وصحية وتعليمية للأطفال المكفولين، وتساهم في التوعية بمفهوم الكفالة الصحيح، كما أن بعض الجمعيات تعمل على تهيئة الأطفال نفسيا قبل انتقالهم إلى الأسر البديلة، لضمان انسجامهم مع البيئة الجديدة، وهذا التكامل بين الدولة والمجتمع المدني ضروري لتحقيق نتائج حقيقية ومستدامة في رعاية الأيتام، ورغم النجاحات التي تحققت، ما زالت هناك تحديات قائمة، من أبرزها ضعف الوعي المجتمعي بالفارق بين الكفالة والتبني، وخوف بعض الأسر من التعقيدات القانونية أو من نظرة المجتمع، ومحدودية عدد الأسر المتقدمة مقارنة بعدد الأطفال المحتاجين إلى الرعاية، والحاجة إلى برامج دعم نفسي مستمرة لكل من الأطفال والأسر المكفلة، وحل هذه الإشكالات يتطلب مزيدا من التوعية الإعلامية، وتبسيط الإجراءات، وتشجيع الأسر على خوض التجربة بثقة، ومن الخطأ النظر إلى كفالة اليتيم على أنها صدقة عابرة أو عمل خيري مؤقت، فهي التزام إنساني طويل الأمد، والكافل لا يقدم مالا فحسب، بل يمنح وقتا ورعاية وحنانا وتربية، فهي علاقة قائمة على المحبة والمسؤولية، وليست علاقة إحسان من طرف واحد، والنجاح الحقيقي فيها يقاس بقدرة الأسرة على دمج الطفل في حياتها دون تفرقة أو تمييز.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.