dhl
dhl

عودة الدبلوماسية المصرية في إفريقيا: كيف استعادت القاهرة نفوذها في دول حوض النيل؟

القاهرة – أميرة المُحمّدي:

في السنوات الأخيرة، عادت القاهرة لتتحرك بخطى واثقة نحو القارة الإفريقية، بعد سنوات من الغياب النسبي عن محيطها الجنوبي. فبين مؤتمرات قارية، وقمم ثنائية، ومشروعات تنموية، بدأت مصر ترسم مسارًا جديدًا في علاقاتها مع دول حوض النيل، يعكس إدراكًا استراتيجيًا بأن القارة لم تعد مجرد امتداد جغرافي، بل هي عمق حيوي لمستقبل الأمن المائي والسياسي والاقتصادي للدولة المصرية.منذ عام 2014، وضعت السياسة الخارجية المصرية إفريقيا في قلب أولوياتها، بعد أن كانت العلاقة قد شهدت فتورًا منذ تسعينيات القرن الماضي. هذا التحول لم يكن مجرد توجه سياسي، بل رؤية متكاملة أعادت الاعتبار للدائرة الإفريقية في وجدان الدولة المصرية، التي عادت لتشارك في أغلب القمم الإفريقية بتمثيل رفيع، وتفتح خطوط تواصل مع دول كانت بعيدة عن الأضواء مثل بوروندي وتنزانيا والكونغو الديمقراطية. هذه العودة لم تقتصر على مستوى الخطاب، بل امتدت إلى مشروعات ملموسة في مجالات البنية التحتية والطاقة والتعليم والصحة، ما جعل الدور المصري يُقرأ اليوم في القارة كفاعل تنموي قبل أن يكون سياسيًا.في ملف حوض النيل، برزت مصر خلال السنوات الأخيرة كمحور توازن بين مصالحها المائية وبين ضرورة بناء شراكات قائمة على التنمية المشتركة. فبعد التوترات التي صاحبت أزمة سد النهضة الإثيوبي، تحركت القاهرة بخطوات محسوبة لتأكيد أن أمنها المائي لا يتعارض مع حق الشعوب الإفريقية في التنمية، وأن الحل يكمن في التعاون لا الصدام.

لذلك كثّفت مصر حضورها في مشاريع الربط الكهربائي مع السودان، ودعمت برامج التدريب الفني والهندسي في دول الحوض، وشاركت بفاعلية في الاجتماعات الوزارية الخاصة بمبادرة حوض النيل، لتعيد بناء جسور الثقة التي تأثرت على مدار العقد الماضي.ولم تكتفِ الدبلوماسية المصرية بالمياه، بل وسّعت دوائر التحرك إلى قضايا السلم والأمن. فالقاهرة أصبحت طرفًا أساسيًا في جهود حل النزاعات في السودان وليبيا والقرن الإفريقي، مستندة إلى خبرتها الطويلة في الوساطة، وإلى شبكة علاقات متشعبة تمتد من نواكشوط غربًا إلى نيروبي شرقًا. وتدعم مصر بعثات حفظ السلام الإفريقية، وتستضيف على أراضيها دورات تدريبية لضباط من جيوش القارة، في إطار سعيها لتعزيز مفهوم «الأمن الإفريقي بقيادة إفريقية». هذا الدور جعلها تحظى باحترام متزايد داخل الاتحاد الإفريقي، الذي تولت رئاسته عام 2019 في فترة شهدت تفعيلًا لملفات التكامل الاقتصادي والإصلاح المؤسسي للاتحاد.اقتصاديًا، تسعى القاهرة إلى أن تكون بوابة للاستثمار العربي والآسيوي نحو إفريقيا. فقد دشّنت الحكومة المصرية مكاتب تجارية جديدة في عدد من العواصم الإفريقية، وأطلقت مبادرات لدعم الشركات المصرية الراغبة في التوسع جنوبًا، لا سيما في قطاعات المقاولات والدواء والطاقة المتجددة. ويبرز مشروع «طريق القاهرة – كيب تاون» كرمز لهذا التوجه، إذ يمثل شبكة ربط بين شمال القارة وجنوبها مرورًا بعدة دول، ما يعزز حركة التجارة والنقل ويعيد لمصر دورها كبوابة الشمال الإفريقي. كما يُعدّ إنشاء المزارع النموذجية المصرية في دول مثل أوغندا وتشاد والنيجر جزءًا من سياسة «الوجود الإيجابي» الذي يجمع بين الفائدة الاقتصادية والتعاون التنموي.على المستوى الثقافي والتعليمي، استثمرت مصر قوتها الناعمة لتعزيز حضورها الإفريقي. فقد زاد عدد المنح الدراسية المقدمة للطلاب الأفارقة في الجامعات المصرية، وافتُتحت مراكز ثقافية جديدة لتعليم اللغة العربية، إلى جانب تنظيم مهرجانات فنية وسينمائية تحتفي بالهوية الإفريقية. هذا المسار الثقافي يُعتبر مكمّلًا للتحرك السياسي، لأنه يعيد بناء صورة مصر كدولة تنتمي للقارة وتشاركها التاريخ والمصير، لا كدولة تطل عليها من الشمال.كل هذه الخطوات مجتمعة تعكس ما يمكن تسميته بـ«عودة الوعي الإفريقي في السياسة المصرية»، حيث لم تعد القاهرة تتعامل مع إفريقيا من منظور أمني ضيق، بل كفضاء استراتيجي متعدد الأبعاد، يمكن من خلاله بناء شراكات في الطاقة النظيفة، والزراعة الذكية، ومشروعات المناخ، والتكنولوجيا. ومع تصاعد التنافس الدولي على النفوذ في القارة بين القوى الكبرى، تدرك مصر أن الحفاظ على توازنها الإفريقي هو جزء من الحفاظ على استقلال قرارها السياسي والاقتصادي.اليوم، ومع استمرار التحولات الجيوسياسية في المنطقة، تبدو القاهرة أكثر استعدادًا لترسيخ حضورها في إفريقيا، ليس فقط كدولة تسعى لمصالحها المائية أو التجارية، بل كدولة ترى نفسها شريكًا في صياغة مستقبل القارة. تلك العودة ليست مجرد استعادة لدور تاريخي، بل استثمار في واقع جديد تتقاطع فيه التنمية بالأمن، والمصالح بالمصير المشترك.وهكذا، تكتب مصر فصلًا جديدًا في سياستها الإفريقية، عنوانه الثقة المتبادلة والتعاون المستدام، في قارة تبحث عن صوتها، وتجد في القاهرة أحد أكثر الأصوات اتزانًا وواقعية في زمن مليء بالتحديات.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.