dhl
dhl

آدم لاشينسكي يكتب: تجربتان في الحكم «الديمقراطي»

مع انتخاب زهران ممداني عمدةً لمدينة نيويورك، تبدأ تجربة جديدة في الحُكم «الديمقراطي». ففي الأول من يناير، عند تنصيب عمدة نيويورك الجديد، سيكون هناك قائدَا المدينتين الأكثر بروزاً في الولايات المتحدة، ممداني في نيويورك و«دانييل لوري» في سان فرانسيسكو، اللذان سينتهجان أجندتين متعارضتين تماماً، رغم وجودهما ضمن ضمن ما يُعدُّ معاقل للحزب الديمقراطي.إنها فرصة لإجراء مقارنة مباشرة بين نهجيهما: نهج «لوري» الوسطي الصديق لرجال الأعمال، مقابل رؤية «ممداني» الاشتراكية الديمقراطية، ما يعني وجود نافذة تطل على مستقبلين محتملين للحزب الديمقراطي. ورغم الخلافات الأيديولوجية العميقة بين الرجلين، إلا أنهما يشتركان في أوجه شبَه كثيرة. فكلاهما ينحدر من بيئة ميسورة الحال، ولا يمتلك أي منهما خبرةً سياسيةً كبيرةً. فممداني البالغ من العمر 34 عاماً، هو ابن أكاديمي بارز ومخرجة سينمائية معروفة، سبق أن كان عضواً في مجلس الولاية لمدة أربع سنوات. أما لوري، البالغ من العمر 48 عاماً، فقد نشأ في الثراء بعد أن تزوجت والدته من «بيتر هاس»، وريث إمبراطورية ليفاي شتراوس لصناعة الجينز. وقبل توليه منصب العمدة في يناير الماضي، أسس منظمة غير ربحية لمكافحة الفقر، لكنه لم يشغل أي منصب منتخب سابقاً.تلقى ممداني ولوري تعليمَهما في مدارس راقية. وكلاهما بارع في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: فقد أَسَرَ ممداني الناخبين الشباب بفيديوهاته على «تيك توك»، بما في ذلك أحد مقاطعه وهو يغوص في المحيط الأطلسي البارد بملابسه الكاملة، تعبيراً عن تعهده بتجميد الإيجارات. أما لوري، فيُضفي على نفسه طابعَ الأبوة المتفائلة بمنشوراته الشهيرة على إنستجرام، والتي تُظهره في المطاعم والفعاليات الثقافية في جميع أنحاء المدينة. حتى مظهرهما يشترك في طابع واحد: فرغم أن لوري حليق الذقن وممداني ملتحٍ، إلا أنهما يفضلان البدلات الداكنة الضيقة، وربطات العنق البسيطة، والشخصية المتفائلة. لكن ممداني أثار الجدل بسبب انتقاداته السابقة لشرطة نيويورك ودعوته إلى خفض تمويلها، وهو موقف تراجع عنه لدى ترشيحه عن الحزب الديمقراطي.وهو الآن يقول إنه يريد الإبقاء على حجم القوة الشرطية كما هي، بل ويسعى للاحتفاظ بالمفوضة جيسيكا تيش، المعروفة بنهجها الصارم في تطبيق القانون. لكنه يريد إعفاء الضباط من بعض المهام غير الشرطية، مثل التعامل مع المشردين. في المقابل، دخل لوري منصبَه في يناير متعهداً بزيادة عدد رجال الشرطة في سان فرانسيسكو، وبدعم تدريب دفعات جديدة في أكاديمية الشرطة، وفرض مزيد من النظام في الشوارع. وهو يحظى بشعبية لدى الشرطة، وقد لاحظ الانخفاضات الأخيرة في جرائم القتل وسرقة السيارات كدليل على نجاح نهجه. وفي ملف الإسكان، يتعامل السياسيان مع مسألة القدرة على تحمل تكاليف السكن، وهي مشكلة قائمة بحدّة في كلتا المدينتين، من منظورين متعارضين. فكلٌّ من المدينتين تضم أعداداً هائلة من المشردين.وقد جعل ممداني تثبيتَ إيجارات الشقق القائمة الخاضعة لرقابة الإيجار ركيزةً أساسيةً في حملته الانتخابية، مما أثار حفيظةَ مُلّاك العقارات. أما لوري، فاستغل شبكتَه من الأثرياء لجمع التبرعات لبناء ملاجئ. كما أنه يُروج لخطة مثيرة للجدل، فرضتها الولاية، لإعادة تقسيم مناطق واسعة من المدينة لزيادة الكثافة السكانية، وهو ما يراه ائتلاف من مُلّاك المنازل العائلية والمُحافظين على التراث بمثابة إغراء للمطورين. يختلف الاثنان اختلافاً جذرياً في سياساتهما الضريبية. فقد تولى لوري منصبَه واعداً بتسهيل الأمور على الشركات، داعماً إجراءً حديثاً لخفض الضرائب عليها، وهو يعمل على جذب الاستثمارات وتبسيط الإجراءات الإدارية. ويُعلن باستمرار أن سان فرانسيسكو «مفتوحة للأعمال»، مشجعاً المؤتمرات والأفراد على العودة إليها. أما ممداني، فيدعو إلى زيادة الضرائب على أغنى سكان نيويورك، وهو أحد الأسباب التي دفعت منتقديه الأثرياء إلى القول بأن انتخابه سيدفعهم إلى مغادرة المدينة.وفيما يتعلق بوسائل النقل الجماعي، يتبع ممداني ولوري مسارات مختلفة. تعاني أنظمة النقل في سان فرانسيسكو، والتي تجسدها هيئتَا «موني» و«بارت»، وقد ازدادت معاناتها بعد جائحة كوفيد-19 من عجز مالي حاد. لذا يدعم لوري إجراءين لجمع التبرعات بغية دعم الموارد المالية للهيئتين، مدرِكاً أهميتهما في إنعاش وسط المدينة اقتصادياً. أما ممداني، فقد لفت الأنظارَ إلى خطته لجعل جميع حافلات المدينة مجانيةً. ورغم أن تنفيذ هذه الخطة يتطلب دعمَ حاكمة الولاية «كاثي هوشول» (ديمقراطية)، وهو ما لم تلتزم به – فإن مجرد طرحه للفكرة، إلى جانب دعوته إلى إنشاء متاجر بقالة مملوكة للمدينة، يعكس ميولَه الاشتراكية. وهكذا، ففي حين يشير لوري إلى أنظمة نقل جماعي سليمة كشرط أساسي للتنمية الاقتصادية، يُسلط ممداني الضوء على عبء النقل الباهظ على العمال.وبعيداً عن السياسات، هناك اختلافات أسلوبية عميقة بين الزعيمين الديمقراطيين. فممداني، وهو مسلم، يدافع بقوة عن الفلسطينيين وينتقد إسرائيل، وهو موقف غير معتاد في مدينة كبرى طالما تبنى ساستُها مواقفَ مؤيدةً لإسرائيل. أما لوري، وهو يهودي، فقد اختار الابتعادَ التامَّ عن القضايا غير المحلية، لدرجة أنه يرفض ذكر اسم دونالد ترامب علناً. ولا يعني اختلاف نهجي الرجلين بالضرورة أن أحدهما سينجح والآخر سيفشل.فمن المحتمل تماماً أن تزدهر سان فرانسيسكو بعد سنوات من سياسات النمو البطيء والتساهل في تطبيق القانون، بفضل نهج لوري، وأن تتقلص فجوةُ التفاوت الطبقي الهائل في نيويورك بفضل ممداني دون أن تتأثر حيويتُها الاقتصادية. ولا شك في أن داعميهما يأملون أن يُقدّم كلٌّ منهما وصفاتٍ صحيحةً لمشاكل مدينتيه. ومهما كانت النتيجة، ستمنح المدينتان المُنظّرين السياسيين فرصةً لمغادرة المختبر ومراقبة الواقع الذي يتكشف أمامهم.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.