dhl
dhl

«عودة الرحلات الصينية إلى الأقصر وأسوان… هل تبدأ مصر حقبة جديدة من السياحة الثقافية الشتوية؟»

القاهرة – أميرة المحمدي:

في خطوة تعكس مسارًا جديدًا للتعافي السياحي المصري، بدأت شركات طيران صينية ومصرية في استئناف رحلات مباشرة أو متعددة المحطات بين المدن الصينية ومطاري الأقصر وأسوان، بعد انقطاع دام نحو أربع سنوات منذ تفشّي جائحة كورونا. تأتي هذه العودة المرتقبة كإشارة لمرحلة دولية تشهد فيها مصر استعادة مكانتها كواحدة من أهم المقاصد الثقافية، خاصة في فصل الشتاء، حين يقصد السائحون المدن المصرية الجنوبية للتمتع بالمناخ المعتدل وما تحمله من تاريخٍ ممتد عبر آلاف السنين.من الصين إلى صعيد مصر: عودة غير عاديةلم تكن عودة الرحلات العادية فحسب، بل زيارات منظمة تستهدف السائح المهتم بالآثار والحضارات القديمة، وليس فقط “السياحة الشاطئية” التي لطالما هيمنت على الوجهة المصرية في السنوات الماضية. وهذا يشير إلى تحوّل نوعي في خريطة السياحة، يفسح المجال أمام إعادة اكتشاف الوجه الثقافي لمصر الذي كان في يوم من الأيام مصدر فخر عالمي.باستئناف تلك الرحلات، تفتح الأقصر وأسوان مجددًا أبوابهما لسياح من أكبر دول العالم من حيث عدد السكان وواحدة من أسرعها نموًا في الإنفاق السياحي. الصين التي أرسلت إلى مصر نحو 250 ألف سائح عام 2018 قبل توقف الرحلات، مرشحة اليوم لأن تصبح من أكبر أسواق السياحة الثقافية مرة أخرى إذا ما تم استثمار هذه العودة بالشكل الصحيح.السياحة الثقافية… كنز مصر غير المستغل كليًالطالما اعتُبرت الأقصر وأسوان «متحفان مفتوحان على الهواء الطلق» لما تضمانه من آثار فريدة — كمعابد الكرنك والأقصر، ووادي الملوك، ومعبد فيلة، ومسلة حتشبسوت. غير أنّ هذا الكنز التاريخي لم يُستغل كاملًا في السنوات القليلة الماضية، بسبب تراجع السياحة الثقافية في مقابل تنامي السياحة الشاطئية.تأتي عودة الصينيين إذًا كفرصة ذهبية لإعادة التوازن إلى المشهد، وإحياء رحلات «الشتاء الثقافي» التي ارتبطت بذاكرة السياحة المصرية منذ عقود، وخاصة بين شهري نوفمبر ومارس، حين يكون الجو مثاليًا لاكتشاف المعابد والآثار.لماذا الصينيون؟ وما المتوقع؟على مدى العقد الأخير، تحوّلت الصين لأحد أهم مصادر السائحين على مستوى العالم، ليس فقط بسبب عددهم الكبير — بل أيضًا بسبب نوعية رحلاتهم المنظمة، وإنفاقهم المادي عالي القيمة، وتركيزهم على الوجهات التاريخية والثقافية.السائح الصيني لا يسافر بمفرده غالبًا، بل ضمن مجموعات، ويميل إلى زيارة عدة مدن في الرحلة الواحدة — وهو ما يناسب طبيعة خط الطيران الجديد الذي يجمع بين القاهرة، الأقصر، وأسوان، مع فرصة متابعة الرحلات إلى الغردقة أو شرم الشيخ بعد ذلك.

أثر اقتصادي وسياحي واعد

قد تكون هذه العودة بشرى ليست فقط لقطاع السياحة، بل كذلك لقطاعات صناعية مكملة مثل الفنادق، النقل النيلي، الشركات السياحية، الحرف اليدوية، والمطاعم. وإذا سار كل شيء وفق الخطة، يمكن أن يتجاوز عدد السياح الصينيين في عام 2026 الأرقام التي حققتها مصر قبل الجائحة، والتي بلغت حوالي نصف مليون زائر خلال عام واحد.وإلى جانب الفوائد الاقتصادية المباشرة، يُعزز هذا الانفتاح مكانة مصر كدولة آمنة ومستقرة وجاذبة، توازن فيها بين الأصالة التاريخية والتطوير العصري — وهذه صورة تحتاجها مصر الآن أكثر من أي وقت مضى، خاصة وسط منافسة شرسة مع بلدان الجوار.إلى جانب ذلك، يُتوقَّع أن تُسهم عودة الرحلات الصينية المباشرة ليس فقط في تنشيط الإشغال الفندقي ورفع نسب الزيارات إلى المواقع الأثرية، بل أيضًا في دعم منظومة الحرف والصناعات التراثية التي تُعد جزءًا أصيلًا من تجربة السائح في الأقصر وأسوان. فعودة السائح الصيني، المعروف بولعه بالمنتجات الثقافية والإقبال على التجارب الفريدة، قد تمنح دفعة قوية للحرفيين المحليين وتعيد الحياة إلى الأسواق السياحية الشعبية، بما يتواءم مع خطط الدولة المصرية لتعزيز مفهوم “السياحة الاقتصادية المستدامة” القائمة على دعم المجتمعات المحلية. هذا التكامل بين السياحة والثقافة والتراث يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من استعادة مصر لمكانتها التاريخية كواجهة عالمية للسياحة الثقافية، خصوصًا في موسم الشتاء الذي طالما كان ذروة تدفق الزوار إلى مدن الجنوب المصري.هل تستعيد مصر لقب «وجهة الشتاء العالمية»؟تكشف تحركات شركات السياحة في السوق الآسيوي أن مصر مرشحة بقوة لاستعادة لقبها الذي اشتهرت به في الستينيات والسبعينيات كـ”عاصمة السياحة الشتوية”، ولكن بشرط: تطوير عروض وخدمات موجهة خصيصًا للسوق الصيني، وتحديث البنية اللوجستية داخل المدن الأثرية، بما يجعل التجربة ممتعة وسلسة وليست مجرد زيارة لموقع أثري.إنّ عودة الرحلات ليست خاتمة القصة، بل مقدمتها — فإذا نجحت الاستضافة الأولى، فسوف تتبعها استثمارات أكبر في الرحلات الجماعية، وربما زيادة عدد الرحلات الأسبوعية باتجاه الأقصر وأسوان، لتتحول مصر من محطة موسمية إلى محطة مستدامة وشاملة في ذاكرة السائح الصيني والعالمي.الخطوة المقبلة:يمكن لوزارة السياحة، مع الشركات الفاعلة في مصر، أن تستغل هذه اللحظة للقيام بحملات ترويجية موجهة بأسواق آسيا والصين تحديدًا، مع فاعلية أكبر على منصات التواصل الصينية مثل WeChat وWeibo.من الجنوب إلى الشرق الأقصى، تعود مصر والصين إلى بعضهما بصلات تاريخية واقتصادية وحضارية. وإن كانت الأهرامات قد خاطبت أباطرة الصين في الماضي، فإنّ معابد الكرنك ووادي الملوك تستعد الآن لاستقبال جيل جديد من الزوّار — جيل يعيد لمصر تراثها الساحر تحت شمس شتاء لا تُنسى.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.