«هكذا تتكوّن تجربة ميرفت المليجي: شغف مبكر، مسؤولية كبيرة، وصوت يختار أن ينحاز للناس دائمًا»
القاهرة _ أميرة المحمدي :
لم تكن ميرفت المليجي يومًا من الأصوات التي تبحث عن ضوء، بل من الوجوه التي يصنعها التعب الحقيقي، والجهد الذي لا يُرى خلف الكاميرا.
حين التقيتها في نقابة الصحفيين، لم أجد أمامي مذيعة Extra News الصارمة على الهواء، بل امرأة تحكي بصراحة طفلة حلمت بالكاميرا، ولم تعرف طريقها ،ثم صنعت طريقها بتجربة طويلة بدأت من ماسبيرو وانتهت إلى واحدة من أبرز شاشات الإعلام المصري.تحكي ميرفت عن طفولتها وكأنها تحكي عن الصورة الأولى لشخصيتها اليوم.

كانت “لمضة”، كما وصفها أهلها، وصاحبة حضور لا يمرّ عابرًا، ولذلك قالوا لها إنها تصلح أن تكون محامية. لكن قلبها كان يأخذها ناحية الميكروفون، ناحية الشاشة، ناحية أن تكون “صوت”.
لم تكن تعرف كيف تدخل المجال، ولم يكن هناك طريق واضح. بدأت حياتها المهنية مترجمة بوزارة الدفاع فور تخرجها في كلية الألسن – عين شمس، قسم إنجليزي وألماني، وعملت من 2002 إلى 2005 في الترجمة، بينها الترجمة العسكرية.
ورغم نجاحها، ظل بداخلها شيء يقول إن الترجمة “محطة”… وليست “حياة”.اللحظة التي بدّلت مسارها جاءت بقدرٍ خفيف يشبه تلك اللحظات التي تغيّر العمر كله .. قابلت وزير الإعلام الأسبق أنس الفقي، الذي نظر إلى سيرتها الذاتية ثم قال لها ضاحكًا: “ده CV ترجمة سياسية … ووصى ان تكون مذيعة اخبار”.
هناك، في النيل للأخبار، بدأت الرحلة التي لم تتوقعها. لم تدخل مذيعة، بل دخلت كمحررة ومترجمة، ثم مراسلة، ثم مذيعة. خطوة وراء خطوة، وتحت سقف ماسبيرو الذي ترى أنه “مدرسة” حقيقية.

تقول: «ماسبيرو مكان بيعلمك إزاي تعتمدي على نفسك… وتتعرضي لمواقف صعبة لازم تحليها… والثقة على الهوا بتيجي من التجارب دي».كان واضحًا أن ميرفت لا تؤمن بالمظهر وحده، بل بالمعلومة. لا تنخدع بالتريند ولا بالسوشيال ميديا، وتقول دائمًا إن المذيع الذي لا يعرف مصدر خبره، ولا يفهم من أين جاءت المعلومة، لن يعرف كيف يصيغ سؤالًا واحدًا بشكل صحيح. في نظرها، الثقة على الهواء ليست نبرة… بل معرفة.
لذلك ظلت حريصة على بناء مهاراتها المهنية من القاعدة: خبر – مصدر – صياغة – سؤال – حضور. لهذا صُنِّفت لاحقًا كواحدة من أبرز مقدّمي الحوار، لا مجرد قارئة نشرة.وفي سنوات عملها داخل ماسبيرو، كانت دائمًا في الصفوف الأمامية للأحداث. غطّت معظم القمم العربية التي انعقدت في مصر، وتابعت لحظة بلحظة أحداث الثورة وإغلاق مجمع التحرير، لكن أكثر المشاهد التي بقيت في ذاكرتها هو يوم محاكمة القرن للرئيس الأسبق حسني مبارك.
تقول بصوت ينخفض تلقائيًا كلما تتذكر: «المشهد ده مش بيطلع من دماغي». بعدها اتجهت إلى الاقتصاد، فاكتشفت أنها تحبه، وأنه مساحة تحتاج إلى عقل هادئ وقادر على الشرح، فتميّزت فيه وقدّمت واحدًا من أفضل برامجها: «همزة وصل»، البرنامج الذي سمح لها بأن تشعر بنبض الناس من خلال السوشيال ميديا، وأن تكون على تماس مباشر مع الجمهور.
قدّمت عبر شاشة النيل للأخبار برامج عديدة مثل «مؤشر النيل برنامج اقتصادي»، «صباح جديد» و«فنون»، وصولًا إلى اختيارها ضمن فريق إطلاق القناة الأولى HD، حيث ظهرت على النشرات الرئيسية في الثالثة والسادسة والتاسعة. هناك اكتسبت خبرة أخرى مختلفة، خبرة الاحتراف البصري والسرعة والحضور.
ثم جاءت النقلة التي تصفها هي بأنها “خروج للاحتراف”: Extra News.

شاشة إيقاعها أسرع، منافستها أعلى، ومستواها يتطلب من كل مذيع أن يكون في أفضل نسخة من نفسه.
تقول ميرفت: «أكسترا نيوز مكان منوّر… وكل اللي فيها شاطر… فلازم تشتغلي على نفسك كل يوم… وتثبتي وجودك وسط المنافسة». تعترف بأنها أحسنت استخدام السوشيال ميديا بذكاء، ليس لتقديم “شو” بل كأداة مهنية تزيد قربها من الناس، دون أن تعتمد عليها كمصدر، فهي دائمًا تكرر: «مينفعش آخد مصادري من السوشيال ميديا».
اليوم ترتبط ميرفت ببرنامجها الأقرب لقلبها «الشارع النيابي». تحب هذا النوع من المحتوى لأنه يقف في المنطقة الوسيطة بين المعلومة والسياسة والناس. تستقبل ضيفًا من أي حزب، لكنه يأتي وهو يدافع عن نفسه… بينما هي تأتي وهي تحمل مسؤولية أن تكون لسان المشاهد. تقول بيقين واضح: «أنا تبع مصر… مش تبع أي حزب». تلك الجملة وحدها تلخص صورتها المهنية: انحياز بلا تردد للمواطن، لمصلحته، ولمعرفته، ولحقه في أن يفهم.

بعيدًا عن الشاشة، تمتد حياة ميرفت إلى مساحة أخرى، أكثر نعومة ودفئًا. فهي تستند في كل خطوة إلى والدتها التي تعتبرها الداعم الأول. تقول إن أول ما تفعله بعد انتهاء أي بث هو انتظار رأي والدتها. وفي وقت فراغها، تكرس شغفًا مختلفًا تمامًا: تصميم الأزياء.
تصنع فساتينها بنفسها، بشغف وموهبة واضحة.حضرت مؤخرًا حفلات كبرى مثل الـ Grand Ball في قصر عابدين والأوبرا في العاصمة الإدارية الجديدة، وترى أنها لحظات تشهد على “مصر الجديدة” التي تحب أن تكون جزءًا من رواية نقل صورتها للناس.
ولم تقف عند ذلك، فقد أطلقت عبر السوشيال ميديا مبادرة ذكية وقت افتتاح المتحف المصري الكبير، تقوم على فكرة بسيطة: لو أن خمسين مليون مستخدم للسوشيال ميديا في مصر نشروا صورًا لهم بملابس فرعونية، ستكون أكبر حملة ترويج للسياحة بدون أي تكلفة.
فكرة تُشبهها: عملية، واقعية، وموجهة للناس.رغم كل هذه المحطات، لا تتوقف ميرفت عند نجاح ولا تنشغل بوساطة لم تأتِ، بل تعترف أن عدم وجود وساطة أبطأها قليلًا، لكنه لم يعطلها. تقول: «ربنا ثم ربنا ثم ربنا… أنا هنا بتوفيقه… ومش ندمانة على أي حاجة ضحّيت بيها من أجل شغلي».
وحين تسألها عن رسالتها، تختصر كل ما سبق في جملة واحدة تبدو بسيطة، لكنها تحمل خلاصة رحلة كاملة:«أنا عاوزة أبقى لسان الشارع».في نهاية الحديث معها، تدرك أن ميرفت المليجي ليست مجرد مذيعة تظهر على الشاشة لتمرير الأخبار أو قراءة العناوين؛ هي مشروع إنسانة تُعلّمك أن الشغف إذا اختلط بالإصرار يصنع لنفسه طريقًا مهما كانت العوائق.
خلف هدوئها الظاهر تقف شخصية تُدرك تمامًا قيمة ما تفعله، وتعي أن الإعلام ليس منصة للظهور، بل مسؤولية تُبنى بالحقيقة، وبالقدرة على الاستماع قبل التحدث. لذلك تبدو دائمًا وكأنها في سباق مع نفسها، تريد كل يوم أن تكون أفضل من نسخة الأمس، وأن تصل بصوت الناس إلى أبعد نقطة ممكنة، حتى لو لم تُذكر أسماء أصحاب هذا الصوت يومًا.
ومع أنها ما زالت في عمر مهني مبكر نسبيًا، إلا أنك تشعر بأن لديها خبرة إنسانية أكبر من سنواتها؛ خبرة صقلتها التجارب، والاحتكاك بالشارع، ومواجهة مواقف صعبة خلف الكواليس قبل أن تظهر في النشرة أو الهواء المباشر. وعندما تتحدث عن حلمها، لا تفعل ذلك بعينين تبحثان عن نجومية، بل بعينين تحملان إيمانًا بقدرة الإعلام على إحداث أثر، حتى لو كان صغيرًا، وحتى لو لم يلحظه الكثيرون.
ربما هذا هو سرّ ميرفت: أنها واقعية بما يكفي لتعرف حجم الطريق، ومؤمنة بما يكفي لتسير فيه. توازن نادر بين الطموح والتواضع، وبين قوة المهنة ورقة الشخصية.
وعندما تنهض من مقعدها في نهاية الحوار، تترك خلفها إحساسًا بأن هذه المذيعة لديها الكثير لتقدمه، وأن المستقبل الذي تسعى إليه لن يكون مجرد محطة مهنية جديدة، بل خطوة أخرى نحو أن تصبح فعلًا ـ كما تقول دائمًا ـ “صوت الشارع وصوت الناس”… الصوت الذي لا يعلو، لكنه لا ينطفئ.







