تُعد قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) أحد أهم المنتديات الاقتصادية البارزة والأكثر تأثيراً على المستوى العالمي، إذ تجمع تحت مظلتها مزيجاً من القوى الاقتصادية الكبرى، إلى جانب الاقتصادات الصاعدة. وتحمل دعوة دولة الإمارات للمشاركة كضيف شرف في الدورة الحالية من القمة، التي تستضيفها جمهورية كوريا الجنوبية، دلالات بالغة الأهمية على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فمشاركة الدولة في هذه القمة لا تُعدّ مجرد حضور رمزي، بل تمثّل اعترافاً بدور دولة الإمارات كشريك استراتيجي موثوق، وتأكيداً على مكانتها المتنامية كقوة اقتصادية إقليمية ذات تأثير عالمي، وكمركز مالي واستثماري محوري يربط بين الشرق الأوسط ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. ويأتي شعار القمة لهذا العام «بناء غدٍ مستدام»، منسجماً تماماً مع رؤية دولة الإمارات المستقبلية القائمة على مبادئ المعرفة والاستدامة والابتكار. فالدولة تنظر إلى الاستدامة ليس بوصفها رؤية بيئية فحسب، بل باعتبارها نهجاً وطنياً شاملاً للتنمية، يدمج الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية في منظومة واحدة متكاملة.وقد عملت دولة الإمارات على تجسيد هذا المفهوم من خلال مبادرات استراتيجية رائدة، من أبرزها رؤية «نحن الإمارات 2031»، التي تشكّل خطة وطنية شاملة ترتكز على أربعة محاور رئيسة تشمل المجتمع والاقتصاد والدبلوماسية والمنظومة الحكومية المتكاملة. كما أطلقت الدولة «استراتيجية الحياد المناخي 2050» في عام 2021، والتي تمثّل برنامجاً وطنياً عملياً يهدف إلى خفض الانبعاثات وتحقيق التنمية المستدامة. وقد تلاها في عام 2022 إطلاق المسار الوطني للحياد المناخي، الذي يحدّد الجدول الزمني وآليات التنفيذ المرحلي لتحقيق هذه الأهداف. واضطلعت دولة الإمارات بدور محوري خلال استضافتها لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب28) في عام 2023، الذي رسّخ مكانة الدولة كرائد عالمي في العمل المناخي والتنمية المستدامة، وعكس التزامها الراسخ بتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعمل البيئي.كما يشكّل الابتكار والتحوّل الرقمي ركائز أساسية تدعم تنفيذ هذه الرؤية نحو تحقيق غاياتها. فقد تبنّت دولة الإمارات نهجاً رائداً في توظيف الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التحتية الذكية، وتعزيز الطاقة المتجددة، وتطبيق الحوكمة الرقمية، إدراكاً منها بأن التكنولوجيا الحديثة تمثّل عاملاً محورياً في دعم الاستدامة الاقتصادية والمجتمعية.ويتّسق هذا التوجّه على نحو وثيق مع محاور قمة (أبيك) الحالية، التي تركّز على تسخير التقدّم التكنولوجي لتحقيق نمو مستدام وشامل.إن مشاركة الإمارات في قمة (أبيك) هذا العام تمثل فرصة محورية لتوطيد الشراكات الاقتصادية بين الشرق الأوسط وآسيا، من خلال ما تمتلكه الدولة من خبرة واسعة كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل والابتكار. فالبنية التحتية المتطورة، والموقع الجغرافي المتميز، والسياسات الاستثمارية المرنة، تمنح دولة الإمارات القدرة على تسهيل حركة السلع ورأس المال والتكنولوجيا بين المنطقتين، وتعزيز التعاون في الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والخدمات اللوجستية المستدامة، والصناعات المتقدمة.كما أن دعم دولة الإمارات لأهداف المنتدى في تيسير حركة التجارة والاستثمار عبر الحدود يعكس رؤيتها الواضحة لتوسيع نطاق التعاون مع كوريا الجنوبية كشريك استراتيجي خاص، ومع بقية دول أعضاء المنتدى، خاصة في ظل التوجّه المشترك نحو الاقتصاد الرقمي والتكامل في سلاسل التوريد. فالموانئ الإماراتية الحديثة، ومنصات التجارة الرقمية الموحدة، وأنظمة الجمارك الذكية، كلها أدوات تمكّن الدولة من الإسهام بشكل فعّال في بناء منظومة تجارية أكثر كفاءة وترابطاً وسلاسة على المستويين الإقليمي والعالمي.وتجسّد مشاركة دولة الإمارات في هذه القمة حقيقة أن الدولة لم تعد مجرد فاعلٍ إقليمي في الاقتصاد العالمي، بل أصبحت ركناً أساسياً في صياغة مستقبل التعاون الاقتصادي بين الشرق الأوسط ومنطقتي آسيا والمحيط الهادئ. ومن خلال رؤيتها الطموحة واستثمارها في الإنسان والابتكار، تمضي دولة الإمارات بخطى واثقة نحو الإسهام في بناء مستقبلٍ عالمي أكثر استدامة وازدهاراً


