القاهرة – أميرة المحمدي:
من طنطا الهادئة، خرجت فتاة صغيرة تحمل في عينيها حلمًا أكبر من حدود مدينتها. كانت ولاء غانم تجلس أمام التلفاز تتابع البرامج السياسية، مأخوذةً بسحر اللغة العربية وطريقة إلقاء مذيعات القنوات الإخبارية العربية. لم تكن تدرك يومها أن هذا الانبهار الطفولي سيصبح خيطًا يقودها بعد سنوات إلى صُنّاع القرار في القنوات الإخبارية.ورغم أن عائلتها لم يكن فيها إعلاميون، ظلّ الحلم يكبر داخلها بصمت. وعندما أنهت الثانوية التحقت بكلية الآداب – قسم اللغة الإنجليزية، محاولة أن تبقى قريبة من عالم اللغات الذي يخدم طموحها.
في تلك الفترة اقترح والدها أن تتقدّم لامتحانات وزارة الخارجية، فدعَمها بكل قوة. اجتازت المراحل التحريرية والشفوية، ورغم أنها لم تُقبل، فإن التجربة زرعت فيها وعيًا مختلفًا؛ فالاحتكاك بالمواد كالقانون الدولي والعلاقات السياسية منحها ثقافة مبكرة ستصبح أساسًا مهمًّا لعملها الإعلامي لاحقًا.

• البداية… من باب صغير يفتح أبوابًا كبيرة
كانت نقطة التحوّل حين تم ترشيحها لتجربة أولى في قطاع الأخبار بماسبيرو. هكذا دخلت ولاء التلفزيون عام 2007، لتبدأ رحلة لم تكن سهلة على الإطلاق.بدأت التدريب كمحررة ومراسلة لمدة عام بدون مقابل، وأسرتها تتحمّل كل الأعباء. كانت تأتي من طنطا إلى القاهرة خمسة أو ستة أيام أسبوعيًا، تحمل حقيبتها وحلمها، وتعود في الليل لتبدأ من جديد.لكن الإصرار لا يضيع. بعد ثلاث أو أربع سنوات من التدريب والاجتهاد، تثبّتت كمراسلة، لتبدأ أول خطوة حقيقية في طريق التقديم.
• تجارب تبني الخبرة… قناة وراء قناة
بعد أن رسّخت نفسها في ماسبيرو، جاءت فرصة قناة الغد العربي لتقدّم برنامج «السوق»، وهو برنامج اقتصادي مكثّف جعلها تحتك بملفات الاقتصاد العالمي لأول مرة. ثم انتقلت لتقديم برنامج صباحي سياسي في القناة نفسها، قبل أن تعبر إلى قناة On Live حيث قدّمت «ساعة اقتصادية» تعدّ من أكثر تجاربها نضجًا، لما كانت تحمله من ضيوف وتحليلات ومحتوى ثقيل.وبعد فترة قصيرة، تلقت اتصالًا من الغد العربي للعودة وتقديم البرنامج الصباحي من جديد، قبل أن تنضم إلى قناة الحياة في برنامج طبي. تنقّلت بين هذه المراحل بمرونة ووعي، وكأنها تجمع قطعًا صغيرة تُكمل صورتها المهنية.ومع مطلع 2025؛ عادت إلى ماسبيرو… البيت الذي ينتمي إلى ذاكرتها الأولى.
• لغةٌ وصوت دولي… وخطوات نحو المستقبل
لم تتوقف ولاء يومًا عن التعلّم. حصلت على ماجستير في الصحافة الرقمية من الجامعة الأمريكية AUC، وتعلمت التصوير والمونتاج، ووسّعت قراءاتها حتى صارت القراءة جزءًا من هوية حياتها اليومية.
وتقول: «القراءة تغيّر الإنسان… تغيّر نظرته لنفسه وللعالم.»فالقراءة بالنسبة لولاء غانم ليست هواية عابرة، ولا نشاطًا جانبيًّا تسد به وقت الفراغ؛ إنها عادة يومية، وركيزة أساسية في تكوين شخصيتها.

تتحدث عنها بشغف يشبه شغف العاشق، وتصفها بأنها «النافذة التي تعيد تشكيل الإنسان من الداخل»، لأنها—كما تقول—تمنحك جودة مختلفة للحياة، وتفتح زاوية جديدة لرؤية نفسك والعالم والآخرين. ولذلك فهي تقرأ بكثافة في التاريخ والفلسفة والدين، وتشعر أن كل كتاب تضيفه لرحلتها يترك أثرًا لا يمحى في طريقة تفكيرها وفهمها للأحداث.ولأنها تؤمن أن القراءة لا بد أن تنتقل من جيل إلى جيل، تحرص على غرسها في بناتها منذ الصغر.
تحكي بابتسامة أن ابنتها الكبرى لا تكتفي بالاستمتاع بالقراءة، بل تجد فيها بابًا صغيرًا للكسب أيضًا؛ فقد وضعت لها ولاء نظامًا لطيفًا يشجعها على الاستمرار، فتقول لها: «كل صفحة تقرئيها… ليكي جنيه». وهكذا، يصبح كتاب المئة صفحة تجربة ممتعة ومربحة في الوقت نفسه. لم يكن الأمر عن المال بحد ذاته، بل عن فكرة تحويل القراءة إلى عادة محبوبة، لا إلى واجب مدرسي ثقيل.
تقول ولاء إنها لا تريد لبناتها فقط أن يقرأن، بل أن يقعن في حب الكتب كما وقعت هي، وأن يشعرن بقيمة المعرفة التي تستطيع أن تغيّر ملامح الإنسان من الداخل وتمنحه عمقًا وفهمًا ووعيًا مختلفًا. ولذلك تتحدث عن القراءة كثيرًا، وتعيشها بصدق، وتعتبرها أعظم أدوات التطور التي يمتلكها الإنسان… أداة تمنحه اتزانًا فكريًا لا يزول، وتربطه بجذور الثقافة التي ترسّخ هويته وتدعم مستقبله أينما ذهب.
▪وسيكون لولاء حضور باللغة الإنجليزية في الإذاعة قريبًا؛ إذ ستقدّم محتوى باللغة الإنجليزية في إذاعة الموجهات ( Overseas ) التابعة لماسبيرو، والتي تبث بـ23 لغة حول العالم.
وفي أكتوبر الماضي كانت التجربة المختلفة والرائعة في حياة ولاء غانم ، حيث رشّحت سفارة الهند مجموعة أسماء لحضور دورة تدريبية متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وكانت ولاء من بينها.تصف التجربة بأنها «لا تُنسى»، إذ كانت أول مصرية تشارك في هذا البرنامج الدولي، وتقول إنها خرجت منه بوعي تقني جعلها تدرك أن مستقبل الإعلام يحتاج متابعة دقيقة للتطورات، لا سيما في الذكاء الاصطناعي.
أسلوبها… ولماذا تصل للمشاهد؟
عندما سألتها عمّا يميّزها، ابتسمت بتواضع: «لا أعرف».لكنها تضيف أن أكثر ما تسمعه من الناس هو وضوح أسلوبها، وبساطته مهما كان الموضوع معقدًا. فهي تحضّر موادها بدقة، وتجمع أسئلتها بنفسها، وتعرف ضيوفها قبل دخول الهواء.التفاصيل الصغيرة هي سرّها… والتحضير الجيد هو عمودها الفقري.
• عائلة تدعم… وبيت يحتضن الطموح
تقول ولاء إن الداعم الأول لها هما والداها، ثم زوجها الذي تصفه بأنه «مثقف ومتفهّم وهادئ»، ما يجعل حياتها الأسرية مستقرة وتساعدها على النجاح في المهنة.
• الصبر… وفلسفة الطريق الطويل
ترى ولاء أن الكثير من الناس ابتعدوا عن الدين والثقافة، وأن التدبّر ضرورة تمنح الإنسان توازنًا وعمقًا.وعندما سألتها إن كانت ستغيّر شيئًا في حياتها، قالت بثقة ورضا: «لن أغيّر شيئًا… كل ما مررتُ به كان سببًا لوصولي هنا.»وتوجّه رسالتها لكل من يسعى: «اسعَوا بكل ما فيكم… لا تستسلموا مهما كانت الأبواب مغلقة. الذي يستمر هو الذي يصل. واقرؤوا كثيرًا.»
• طموح يتجاوز الاقتصاد
رغم تميزها في السياسة والاقتصاد، تحلم ولاء بالعمل في ملف اللاجئين والمهجّرين قسريًا.
ترى أن قصصهم مؤثرة وضرورية، وأن الإعلام يجب أن يسلّط الضوء عليهم:«حين ترى رحلة لاجئ… تُدرك أن أسباب فشلك لا تُقارن بما مرّ به.»وقد اختارت بالفعل أثناء الماجستير دراسة مادة عن اللاجئين في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، تأكيدًا لاقتناعها بأن القضية إنسانية قبل أن تكون مهنية.ولاء غانم ليست مجرد مذيعة اقتصاد. إنها امرأة آمنت بحلمها، وحملت نفسها فوق الطريق الطويل حتى وصلت.

جمعت الخبرة خطوة بخطوة، وتشكّلت على يد ماسبيرو والغد العربي ومنصات كثيرة صنعت منها مذيعة واعية، قارئة نهمة، وصوتًا يعرف كيف يجمع بين الفصاحة والعمق.
إنها قصة تُثبت أن النجاح لا يأتي دفعة واحدة، بل يصنعه الصبر، والعمل، والمحبة، والإيمان بأن الطريق مهما طال… فإن الوصول دائمًا يليق بمن لم يتوقف.ربما كانت ولاء غانم تتحدث عن تجربتها، لكنها في الحقيقة قدّمت رسالة لكل شاب وشابة: أن النجاح ليس طريقًا مستقيمًا، وأن الأبواب المغلقة ليست النهاية.
بالصبر والقراءة والعمل الجاد، يمكن لفتاة من طنطا أن تصبح مذيعة اقتصاد على كبرى الشاشات. إنها رسالة تختصرها ولاء في جملة واحدة: «اسعَوا بكل ما فيكم… فالذي يستمر هو الذي يصل».







