القاهرة – أميرة المحمدي:
منذ اللحظة الأولى للقاء فيروز فؤاد، بدا واضحًا أنّ هذه السيدة لم تصل إلى الإعلام مصادفة، ولا بدافع شغف عابر، بل خرجت من بيتٍ تنفّس أهله الصحافة كما يتنفسون الهواء.
تقول وهي تسترجع ملامح الماضي:«والدي أحمد فؤاد الله يرحمه كان صحفي ورئيس القسم العسكري في الأهرام… شربني المهنة وحببّني فيها من وأنا طفلة، وكان بياخد رأيي في اللي بيكتبه.»

لم تكن مجرد حكاية بنتٍ تحب الإعلام، بل نشأت داخل أسرة كاملة تنتمي للمهنة؛ فالأخ صحفي، والأم صحفية، وكأنّ الصحافة تسري في الدم قبل الوعي.
وتستعيد ضاحكة سؤال والدها القديم عندما كانت في الصف الأول الإعدادي: «نفسِك تطلعي إيه؟»، فكانت تجيب بلا تردد: «مذيعة… وأقدم برنامج رعب.»ولم يكن السبب غريبًا؛ فقد كانت قارئة متعمقة في أدب الرعب منذ الصف الرابع الابتدائي، تنفق مصروفها على كتب أحمد خالد توفيق، وتحب طريقته الساخرة، وتلك العوالم الغامضة التي غذّت خيالها وشخصيتها.
ومع حصولها على مجموع مرتفع في الثانوية، فتح الطريق أمامها إلى كلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، نزولًا على رغبة الأهل في أن تصبح مهندسة، باعتبار أن الإعلام “موهبة تُمارس”، بينما المستقبل الوظيفي مضمون في الهندسة.
ومع ذلك، لم تستسلم فيروز. تقول بثقة: «أنا مبحبش أدخل حاجة مكونش قدّها.» فاجتهدت وذاكرت حتى حصلت على تقدير جيد جدًا في مشروع التخرج.لكن شيئًا بداخلها لم يهدأ… حلم الطفولة ظل قائمًا، يطرق بابها كلما أغمضت عينيها.
وفي لحظة صدق مع نفسها، توجهت إلى والدها وقالت: «أنا عاوزة أبقى مذيعة… مش قادرة.» ثم ذهبت إلى قناة ON TV وقدّمت اختبار الكاميرا مع الدكتور عماد جاد، وبينما كانت تنتظر الرد، اقترح عليها والدها أن تقدّم مؤقتًا في وزارة التخطيط، فذهبت، وبسبب لغتها الجيدة تم تعيينها سريعًا. وهكذا بدأت مسيرتها العملية منذ 2008؛ عملت، وتزوجت، وأنجبت، وانشغلت بواجبات الحياة… لكن الحلم بقي موجودًا، لا يلين ولا يتلاشى.
ثم جاءت جائحة كورونا، ومعها عزلة ووقت طويل وكثير من الألم… فقد كان والدها قد رحل قريبًا. وبينما كانت تبحث عن نافذة تتنفس منها، صادفها إعلان عن دورة إعلامية تنتهي بتقديم أربع حلقات على قناة الصحة والجمال. شعرت بأنها فرصة تمسك بيدها لتخرج من الحزن، فتقدمت، ولمعت، وانتهت الدورة ليخبرها القائمون عليها: «خلاص… إنتِ طالعة معانا هوا.»

وتقول فيروز إن الكورس غيّر كثيرًا في أدائها، وكانت تحب إعداد الحلقات بنفسها، مما زاد ارتباطها بالمهنة. كان أول برامجها “كلام كبار”، يناقش الطلاق والتنمر وإدمان الشوبينج. وقد تلقت عنه ردود فعل ممتازة من الجمهور. بعدها خاضت تجربة البرامج الصباحية في “صباحك روز”، ثم برنامج “حكايات بنات” المعني بقضايا المرأة. لكن النقلة الحقيقية كانت مع برنامج “اللي خايف يروح”، الذي اقترب من مناطق شائكة مثل ختان الإناث وتجديد الخطاب الديني، وكان الشيخ الراحل حسن الجنايني ضيفًا دائمًا، يقول لها: «أنا بحب أسئلتك.»في تلك الفترة، بدأت فيروز تصنع لنفسها اسمًا في تقديم الموضوعات الثقيلة ذات البعد الإنساني والاجتماعي.
وتلمع في عينيها دمعة حين تتذكر مقابلة قناة MBC، فتقول: «كنت حاسّة إن بابا معايا… المصورين والمخرج كانوا بيشكروا في أدائي، والمخرج قالّي ده أحلى كاميرا تيست عمله في حياته.»كانت هذه اللحظة بالنسبة لها تأكيدًا أن والدها لم يفارقها يومًا، وأن حضوره يسبقها إلى كل خطوة جديدة.

ثم عملت مع الإعلامي محمد غانم في برنامج “حكاوي فيروز”، الذي يسلّط الضوء على التريندات، وهناك سألت نفسها السؤال الفارق:«طب أنا ليه بشتغل للحواليا؟ ليه ماعملش حاجة لنفسي؟»ومن هنا خرج للنور مشروعها الأقرب لقلبها: “عوالم خفية”.زوجها تولّى إنتاجه دعمًا لها، لأنها كانت تحلم منذ طفولتها بعمل برنامج يرتبط بالرعب. قدّمت موسمين كاملين، ثم تبنّته قناة الحدث اليوم ليُعرض رسميًا.
سُمّي البرنامج “عوالم خفية” لأنه لا يناقش الرعب فقط، بل كل ما هو خارج نطاق الإدراك: تأثير مانديلا، قانون الجذب، قصص الجن، وكل ما يعجز العقل عن تفسيره… عالم يجمع ما وراء الطبيعة وما وراء الأسئلة.


وتعترف فيروز بأنّ رحلتها لم تكن لتكتمل دون دعم والدها ووالدتها – رحمة الله عليهم – ثم سند زوجها، وفخر أولادها الدائم بها.

كما أنّ حضورها على منصات التواصل الاجتماعي بات جزءًا من هويتها المهنية، تتفاعل فيه مع جمهورها وترد على الجميع، سواء إيجابًا أو سلبًا، بروح هادئة لا تنكسر.
وفي نهاية الحوار، يبدو واضحًا أن رحلة فيروز فؤاد ليست مجرد مسار مهني، بل حكاية إصرار طويل؛ حكاية فتاة آمنت بأن الحلم مهما تأخر… لا يسقط. وأن الطريق، مهما بدا معقدًا، يفتح أبوابه لمن يسير إليه بقلب صادق وشغف لا يهدأ.إنها قصة إعلامية صنعت خطواتها بنفسها، وظلت وفيّة لحلم الطفولة حتى صار حقيقة.
وهكذا تنتهي حكاية فيروز فؤاد كما بدأت… بفتاة رأى فيها والدها الموهبة قبل أن ترى هي نفسها، فترك فيها أثرًا لا يُمحى، ومسارًا ظل يضيء لها الطريق مهما اشتدّت العتمة.
ما بين طفلة تقرأ ما وراء الطبيعة في مقعدها المدرسي، وامرأة قدّمت برامج تناقش أخطر القضايا وتخوض أعمق المناطق الشائكة، تمتد رحلة تثبت أن الإيمان بالذات هو الباب الأول للنجاح، وأن الأحلام قد تتعثر لكنها لا تموت.











