القاهرة – أميرة المحمدي :
بين الطب والفن منطقة دقيقة لا يجيد العبور إليها إلا أصحاب الحس المرهف. من هنا جاء حضور الدكتور محمد بدران، الاستشاري في أمراض القلب والأمراض الباطنة، كأحد أبرز الوجوه اللافتة في معرض “هو وهي” المقام بقاعة آدم حنين بمركز الهناجر للفنون. فبرغم انشغاله بالطب، ظل يحمل داخله شغفًا فنيًا عمره سنوات طويلة، بدأ منذ شبابه، وعاد إليه بقوة خلال السنوات الأربع الماضية.
يقول الدكتور بدران إن بدايته كانت مع أعواد نبات القمح، مادة بسيطة لكنها تحمل قابلية كبيرة للتحول والإبداع. يعرض الأعواد للحرارة حتى تكتسب لونًا ذهبيًا طبيعيًا، قبل أن يعيد تشكيلها بحرفية في لوحات ومجسمات دقيقة، تعكس صبره كطبيب ودقته كفنان. ومع الوقت، بدأ يُدخل خامات جديدة مثل قشر الخشب ليضيف درجات وألوانًا أخرى، فيمنح عمله غنى بصريًا لا يتحقق بمادة واحدة.
وفي معرض “هو وهي”، قدم الدكتور بدران لوحة شدّت انتباه الزوار، تجسد إيزيس وأوزوريس، تلك الأسطورة المصرية العريقة التي ظلت رمزًا للوفاء والحب والقوة عبر آلاف السنين. يقول عن عمله:«اخترت إيزيس لتعبر عن “هي” وأوزوريس ليكون “هو”… هذه القصة من أهم الأساطير المصرية القديمة، إيزيس الزوجة الوفية التي أعادت زوجها للحياة بقوة الحب… وجدت أنها أنسب تجسيد لفكرة المعرض».
ويشرح الدكتور بدران أن استخدامه لأعواد القمح في تشكيل شخصيات أسطورية لم يكن صدفة، بل اختيارًا متعمداً يجمع بين قدسية الحكاية وبساطة الخامة، ليخلق تضادًا جميلاً يمنح اللوحة روحًا خاصة. فالقمح رمز للحياة والخصوبة، وإيزيس وأوزوريس رمزان للاستمرارية والانبعاث… وهكذا تتكامل الفكرة والخامة والمعنى.
ويضيف:«الفن بالنسبة لي امتداد لعلاقتي بالحياة… الطب يعالج الجسد، أما الفن فيعالج الروح. كل لوحة لها وقتها ومكانها، وكل تفصيلة فيها بتتحس قبل ما تتنفذ».وما بين العيادة والمرسم، استطاع الدكتور بدران أن يثبت أن الشغف لا يشيخ، وأن الفنان الحقيقي يجد طريقه مهما ابتعد عنه الزمن. أعماله في المعرض لاقت تفاعلًا كبيرًا، ليس فقط لدقتها، بل لصدقها، ولقدرتها على تحويل خامات بسيطة إلى عمل محمّل بالمعاني والضوء.
معرض “هو وهي” لم يشهد مجرد عرض للوحات، بل كشف عن رحلة إنسانية لفنان اختار أن يحوّل القمح—رمز الخير—إلى فن يحكي قصة الوطن والأسطورة والذات.




