القاهرة – مصطفى المصري:
في زمنٍ تتسارع فيه الشاشات، وتختلط فيه الرسائل، ويعلو فيه الضجيج أحيانًا على حساب المعنى، تبقى بعض الأسماء شاهدة على أن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بعمق الأثر، ولا يُصنع بالصدفة، بل يُبنى عامًا بعد عام، بالتجربة، والانضباط، والإيمان بالدور.
أسماء حبشي ليست مجرد مذيعة ظهرت على الشاشة، ولا مجرد مسؤولة تحمل منصبًا عربيًا رفيعًا، بل هي نموذج لإعلامية نشأت في مدرسة ماسبيرو العريقة، وتشربت قواعد المهنة قبل أن تعرف الأضواء، وتدرجت خطوة خطوة، من الإذاعة إلى التلفزيون، ومن برامج الأطفال إلى المنصات المتخصصة، حتى صارت واحدة من الوجوه التي تمتلك رصيدًا مهنيًا وإنسانيًا يصعب تجاهله.رحلتها لم تكن سهلة، ولم تُفرش بالورود، لكنها كانت دائمًا واضحة المعالم: تعلم، تدريب، احترام للمهنة، ووفاء للأساتذة الكبار الذين صنعوا أجيالًا من الإعلاميين. وبينما اختار كثيرون الطرق الأقصر، اختارت أسماء حبشي الطريق الأصعب… طريق البناء الحقيقي.
ومن هذا العمق المهني والإنساني، وُلد اتحاد إعلاميات العرب، لا ككيان شكلي، ولا كعنوان بروتوكولي، بل كمشروع عربي واعٍ، يؤمن بقوة المرأة الإعلامية في تشكيل الوعي، وبأن الإعلاميات العربيات يمتلكن من التأثير ما يستحق أن يُنظم ويُفعل ويُوجَّه لصالح الأوطان.لكن هذه الرحلة لم تكن يومًا فردية أو منعزلة؛ فقد تشكّلت أسماء حبشي عبر أيادٍ آمنت بها، وأساطين مهنة تركوا بصماتهم في وعيها قبل مهاراتها.
من الراحلة الكبيرة سهير الإتربي التي رأت فيها مشروع مذيعة تلفزيونية حقيقية ومنحتها الثقة في لحظة فارقة، إلى ماما سامية شرابي التي علمتها الصبر والانضباط واحترام الكاميرا قبل الظهور، مرورًا بالمخرج الكبير محمد دنيا الذي فتح لها بابًا جديدًا في مسيرتها، والأستاذ مجدي يوسف الذي اتخذ قرارًا جريئًا بدفعها إلى الخريطة البرامجية وهي ما تزال في طور التعلّم.وتظل مدرسة ماسبيرو بكل رموزها وأساتذتها الكبار هي التأثير الأعمق والأبقى، تلك المدرسة التي لم تمنح أسماء حبشي مجرد فرصة، بل غرست فيها قيم المهنة، وقدسية الكلمة، ومعنى أن يكون الإعلامي شاهدًا ومسؤولًا لا مجرد وجه على الشاشة.
في هذا الحوار الخاص، تفتح أسماء حبشي قلبها وتجربتها، وتحكي عن البدايات الأولى، وعن اللحظات الفارقة، وعن ماسبيرو الذي تسكنه ويسكنها، وعن اتحادٍ عربي بدأ بست دول، ووصل إلى اثنتين وعشرين دولة، وعن رؤية ناقدة للإعلام الحالي، ورسالة واضحة لا تساوم على جوهر المهنة.حوار لا يكتفي بالسرد، بل يكشف رؤية، ولا يكتفي بالتجربة، بل يضع أسئلة المستقبل على الطاولة
بدأتِ رحلتكِ الإعلامية منذ سنوات طويلة، كيف تعرّفين الجمهور على أسماء حبشي… وكيف تشكلت ملامحكِ المهنية منذ البدايات الأولى؟
أنا أسماء حبشي، مذيعة بالتلفزيون المصري منذ عام 2004، ورئيسة اتحاد إعلاميات العرب. رحلتي بدأت من الإذاعة، من إذاعة الأخبار تحديدًا، وهناك كانت أول مدرسة حقيقية لي في الالتزام والدقة واحترام الكلمة. بعد ستة أشهر فقط من العمل الإذاعي، تم فتح اختبار للمذيعين والمذيعات في التلفزيون المصري، ودخلته بدافع التجربة لا أكثر، خاصة أنني كنت قد بدأت بالفعل عملي كمذيعة إذاعية.

كان عدد المتقدمين وقتها خمسة وسبعين، ولم ينجح سوى أربعة فقط، وكنت واحدة منهم. لحظة إعلان النتيجة كانت صادمة بالنسبة لي، لدرجة أنني صعدت إلى الأستاذة الراحلة سهير الإتربي، رئيسة التلفزيون آنذاك، وسألتها: «أنا دلوقتي ناجحة في الإذاعة وناجحة في التلفزيون… أكمّل فين؟». ابتسمت وقالت لي جملة لا أنساها أبدًا: «تسأليني سؤال شخصي ولا بوظيفتي؟» وحين اخترت السؤال الشخصي، قالت: «أنا شايفاكي في التلفزيون أنجح». ومن هنا بدأت الرحلة الحقيقية.
العمل في برامج الأطفال كان محطة مبكرة في مسيرتكِ، كيف أثّرت هذه التجربة على تكوينكِ الإعلامي؟
العمل في برامج الأطفال لم يكن مرحلة عابرة، بل كان تأسيسًا حقيقيًا. تم تعييني في الإدارة العامة لبرامج الأطفال تحت رئاسة الأستاذة سامية شرابي، «ماما سامية»، التي تعلمت منها الصبر والانضباط واحترام الكاميرا. قضيت قرابة عام كامل أرافقها في التصوير دون أن أظهر على الشاشة، فقط أراقب وأتعلم. كنت أستعجل النزول، لكنها كانت دائمًا ترد: «لسه بدري». اليوم أدرك أن هذا التأني هو ما صنعني.
متى جاءت نقطة التحول الحقيقية في مسيرتكِ التلفزيونية؟
نقطة التحول جاءت صدفة لكنها كانت قدرًا. التقيت بالمخرج الكبير محمد دنيا داخل مبنى ماسبيرو، وكان صديقًا عزيزًا لوالدي رحمه الله. اصطحبني معه إلى قناة التنوير، وهناك التقيت بالأستاذ ماجد يوسف، رئيس القناة، سألني عن عملي، وحين علم أنني ما زلت تحت التدريب، اتخذ قرارًا جريئًا وقال لمحمد دنيا: «نزّلوها على الخريطة». ومن هنا بدأت رحلتي الحقيقية مع القنوات المتخصصة، من التنوير إلى قناة النيل للأسرة والطفل، ثم قناة نايل لايف التي أعمل بها منذ أكثر من عشر سنوات حتى الآن.
بصفتكِ رئيسة اتحاد إعلاميات العرب، كيف ترين دور الإعلاميات العربيات في تشكيل الوعي المجتمعي؟
أنا مؤمنة تمامًا بأن الإعلاميات يمتلكن قوة ناعمة هائلة. نشأتنا جميعًا كانت مرتبطة بالمذيعة، بالصوت الأنثوي الذي يدخل البيوت بهدوء ويصنع وعيًا دون صخب. من هنا جاءت فكرة اتحاد إعلاميات العرب عام 2015، بهدف تنظيم هذه القوة واستثمارها في خدمة الأوطان العربية، وليس فقط في الدفاع عن حقوق الإعلاميات.
الاتحاد انطلق بست دول، وبمباركة جامعة الدول العربية، واليوم نضم إعلاميات من 22 دولة عربية، وأكثر من 850 عضوة من الصحافة والإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي المهني. نحن نعمل من خلال جامعة الدول العربية، ونتعاون مع مؤسسات كبرى مثل صندوق تحيا مصر، وهيئة الأمم المتحدة للسكان.
هل نجح الاتحاد في سد فجوة كانت تعاني منها الإعلامية العربية؟
لا أدّعي أننا سدّدنا كل الفجوات، فهذا غير واقعي، لكنني أستطيع القول بثقة إننا سدّدنا الفجوات الخاصة بعضوات الاتحاد. نقدم دعمًا قانونيًا، وتدريبًا مهنيًا، وفرص توظيف عند الطلب، ونفتح الأبواب أمام الإعلاميات ليكنّ جزءًا من مشهد عربي منظم ومحترم. نحن نعمل بجهود ذاتية، لكن بإيمان حقيقي بالدور.
كيف توازنين بين عملكِ كمذيعة في نايل لايف ومسؤولياتكِ كرئيسة لاتحاد عربي؟
التوازن ليس رفاهية، بل ضرورة. برامجي في نايل لايف لها مواعيد ثابتة، برنامج (تايم لاين)، وبرنامج (فوكاس)، وبرنامج (نهارك سعيد)، وعندما أسافر في مهام الاتحاد، أُنسق مع زملائي لتغطية الغياب.

لكن الحقيقة التي لا أخفيها هي أن ماسبيرو بالنسبة لي ليس مكان عمل فقط، بل كيان مقدس.
حيطانه وأرضه وتاريخه جزء من تكويني الإنساني قبل المهني.كيف تقيّمين صورة المرأة في الإعلام العربي اليوم؟للأسف، الإعلام العربي لم ينصف المرأة، بل أعاد إنتاج صور نمطية مسيئة. كثير من البرامج النسائية تحولت إلى مساحات للنميمة والتنمر والتسطيح، وتجاهلت المرأة الحقيقية العاملة والمكافحة. نحن بحاجة إلى ثورة وعي إعلامي حقيقية تعيد للمرأة مكانتها ودورها الطبيعي.
ما المعايير التي ترينها أساسية لبناء إعلامية ناجحة؟
التدريب… ثم التدريب… ثم التدريب. لا يمكن أن تُبنى إعلامية حقيقية دون تأهيل علمي ومهني. أنا شخصيًا حصلت على أكثر من 34 دورة تدريبية في معهد الإذاعة والتلفزيون، لأن الإعلام مسؤولية، ولأن الشاشة لا ترحم غير الجاهز.
كيف تنظرين إلى مستقبل الإعلام في ظل الذكاء الاصطناعي؟
أنا لا أؤمن بإلغاء العنصر البشري. الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الإنسان بتفاعله ومشاعره وأخطائه الطبيعية. الجمهور يتفاعل مع الإنسان، وليس مع نسخة مصطنعة.

وأخيرًا، ما الرسالة التي تحرص أسماء حبشي على إيصالها؟
رسالتي بسيطة وواضحة: الإعلام رسالة وطن، وليس وسيلة شهرة. من يدخل هذا المجال عليه أن يعرف أنه يحمل أمانة، وأن الكلمة قد تبني وعيًا أو تهدمه. أما نصيحتي للإعلاميات الشابات، فهي: لا تبحثن عن الطريق الأسهل… الطريق الصحيح هو الأطول، لكنه الوحيد الذي يدوم.


