dhl
dhl

حوار خاص | من دمعة طفل إلى مشروع حياة… شهادة إنسانية لبسمة فياض

القاهرة – مصطفى المصري:

في زمنٍ ازدحمت فيه الصور، وتكررت فيه الشعارات، وتشابهت فيه اللافتات، أصبح من الصعب أن تميّز بين من يعمل من أجل الإنسان، ومن يعمل من أجل الظهور.

العمل الخيري، الذي كان يومًا فعلًا خالصًا لوجه الله، أصبح في كثير من الأحيان ساحة استعراض، تُقاس فيها النوايا بعدد المشاهدات، وتُختصر فيها المعاناة في لقطة مصورة، ثم تُنسى.

وسط هذا الضجيج، تظهر نماذج نادرة، لا ترفع صوتها، ولا تُتقن فن التسويق لنفسها، لكنها تُتقن شيئًا واحدًا فقط: الصدق.نماذج تؤمن أن الخير لا يحتاج إلى كاميرا، وأن الألم لا يُستغل، وأن كرامة الإنسان لا تُجزأ ولا تُعرض.بسمة فياض ليست فقط مؤسسة جمعية “البسمة المشرقة”، بل هي حالة إنسانية خاصة.

امرأة لم تدخل عالم العمل الخيري من باب اللقب أو المنصب، بل من باب الاحتكاك الحقيقي بالناس، من الشارع، من البيوت، من القرى المنسية، ومن نظرات الأطفال التي لا تعرف التمثيل.

تسع سنوات كاملة من العمل الخدمي سبقت تأسيس الجمعية، سنوات كوّنت وعيًا، وصقلت رؤية، وخلقت قناعة راسخة بأن الخير الحقيقي لا يُبنى على العشوائية، بل على الاستمرارية، والتنظيم، والالتزام الأخلاقي.

وحين جاءت فكرة الجمعية، لم تأتِ بحثًا عن كيان، بل جاءت استجابة لحاجة… حاجة الناس، وحاجة العمل الخيري نفسه إلى نموذج نظيف، هادئ، واقعي، لا يبيع الوهم ولا يشتري التصفيق.

“البسمة المشرقة” ليست مجرد اسم، بل وصف دقيق لما يحدث حين يلتقي الفعل الصادق بالقلب الحي.هنا، لا تُقاس المساعدة بحجمها، بل بأثرها.ولا يُقاس النجاح بعدد المستفيدين فقط، بل بعمق التغيير في حياتهم.

–ما الدافع الحقيقي وراء تأسيس جمعية البسمة المشرقة؟ وما الرسالة التي تحملها منذ اليوم الأول؟

لم يكن تأسيس الجمعية خطوة مخططة بقدر ما كان تطورًا طبيعيًا لمسار طويل من العمل الخدمي.بسمة فياض بدأت قبل الجمعية بسنوات، تعمل بين الناس، تخدم منطقة، تساعد حالات، تتواصل مع إدارات رسمية، وتُحلّ مشكلات بجهد شخصي خالص.

ومع الوقت، بدأت الحالات تتزايد، وبدأت المسؤولية تكبر، إلى أن أصبح التنظيم ضرورة، لا رفاهية.هنا جاء اقتراح تأسيس الجمعية كإطار قانوني يحمي العمل، ويضمن استمراريته، ويُسهّل الوصول إلى مستحقيه.لكن الرسالة لم تتغير:خير حقيقي، بعيد عن الشو، قريب من الواقع، يحترم عقل المتبرع وكرامة المحتاج في آن واحد.

—كيف يتحول شعار «مع بعض نقدر نغيّر حياة ناس كتير» من جملة إلى واقع ملموس؟

في “البسمة المشرقة”، الشعار لا يُسبق بالفعل، بل يولد منه.كل مشروع بدأ كفكرة صغيرة، ثم تحوّل إلى تجربة، ثم أصبح نموذجًا يُعاد تكراره.لم يكن الهدف أبدًا رفع لافتة كبيرة، بل صناعة أثر حقيقي، ولو محدودًا.

الطفل الذي يركض ليحتضن بسمة فياض فور دخولها،الرسائل المكتوبة بخطوط صغيرة مرتعشة،الألعاب المبعثرة في مكتب الإدارة،الطفل النائم على الأريكة دون خوف…كلها شواهد على أن الشعار هنا ليس حبرًا، بل حياة.

—الجمعية تعمل في أكثر من مسار خيري… أي الملفات كانت الأكثر إلحاحًا مؤخرًا؟ ولماذا؟

رعاية الأيتام كانت وما زالت القلب النابض للجمعية.الطفل اليتيم لا يحتاج فقط إلى مال، بل إلى استقرار، وأمان، واحتواء، وشعور دائم بأنه ليس وحده.إلى جانب ذلك، برزت ملفات شديدة القسوة، مثل توصيلات المياه في مناطق محرومة، وبيوت بلا صرف صحي، داخل نطاق جغرافي لا يتخيل كثيرون أنه يعاني بهذا الشكل.الاحتياج كان صادمًا، لكن التعامل معه كان واقعيًا:خطوات صغيرة، لكنها ثابتة، دون وعود أكبر من الإمكانيات.

–كيف تختارون الأسر المستحقة؟ وكيف تضمنون وصول الدعم لمستحقيه؟

الاختيار لا يتم بالعاطفة وحدها، بل ببحث اجتماعي دقيق.أوراق رسمية، زيارات ميدانية، سؤال الجيران، التحقق من التفاصيل الصغيرة التي تكشف الحقيقة.لأن الغش – للأسف – موجود، وحماية حق المستحق واجب لا يقل أهمية عن تقديم المساعدة نفسها.

الجمعية تؤمن أن الخطأ في المنع أهون من الخطأ في منح غير مستحق، لكن السعي الدائم هو تقليل الخطأ قدر الإمكان.

–كفالة الأيتام… كيف يتم الاهتمام بالجانب النفسي والإنساني؟

الدعم المادي وحده لا يصنع إنسانًا سويًا.لذلك، تهتم الجمعية بالأنشطة، والرحلات، واللعب، والاحتواء اليومي.الأطفال هنا يُعاملون كأطفال، لا كحالات.يضحكون، يلعبون، يخطئون، ويُكافَؤون… بلا شفقة، وبلا قسوة.

—مشروع إطعام الطعام… لماذا يحظى بكل هذا الاهتمام؟

لأنه الأكثر مباشرة، والأكثر صدقًا.الوجبة الساخنة التي تُقدَّم في يد صاحبها،الدعوة الخارجة من القلب،الابتسامة العفوية…كلها تجعل من الإطعام لحظة إنسانية خالصة، لا وسيط فيها.وهنا، تلعب التبرعات البسيطة دور البطولة.خمسة جنيهات، عشرة، مشاركة صغيرة… لكنها حين تجتمع تصنع مائدة، وتُشبع جائعًا، وتفتح باب أمل.

–رعاية ذوي الإعاقة وعلاج المرضى… ما أصعب التحديات؟

التحدي الأكبر هو الفهم.أن تُعامِل ذوي الإعاقة كأشخاص طبيعيين، لا كحالات خاصة.أن تخلق لهم مساحة للفرح، للحركة، للاندماج، دون تمييز أو شفقة زائدة.الرحلات، الألعاب، المسابقات، الضحك…كلها أدوات علاجية بقدر ما هي ترفيهية.

–كيف تنجح الجمعية في استدامة مشروعات مكلفة مثل توصيلات المياه وزواج اليتيمات؟

بالصدق أولًا، وبالتدرج ثانيًا.لا مشروع يبدأ كبيرًا، لكن كل مشروع يبدأ بنية واضحة، وخطوة محسوبة، ودعاء صادق.

–ما الرسالة لكل من يظن أن مساهمته غير مؤثرة؟

لا يوجد تبرع صغير، بل نية صادقة.وكل مشاركة، مهما بدت بسيطة، قادرة على إحداث فرق حقيقي، حين تُوضع في المكان الصحيح.

أخيرًا… ما ملامح المرحلة المقبلة لجمعية البسمة المشرقة؟

التوسّع، ولكن دون فقدان الروح.زيادة عدد المستفيدين، مع الحفاظ على نفس مستوى الرعاية.وأن تظل “البسمة المشرقة” كما بدأت:جمعية تعمل بهدوء… وتترك أثرًا لا يُنسى.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.