dhl
dhl

حوار خاص | أشرف محمد رفاعي… الكبابجي الوحيد في مصر

القاهرة – مصطفى المصري:

في قلب السيدة زينب، حيث تختلط رائحة التاريخ ببركة المكان وصدق الناس، يقف اسم «الرفاعي» كعلامة فارقة لا تحتاج إلى لافتة كبيرة ولا دعاية صاخبة.

اسم يتردد على الألسنة قبل أن يُكتب على الجدران، وتحمله الذاكرة الشعبية جيلًا بعد جيل، باعتباره رمزًا للأمانة قبل أن يكون عنوانًا للطعام الجيد.

أشرف رفاعي ليس مجرد صاحب محل كباب، بل وريث «صنعة» عتيقة، وتاريخ ممتد لنحو سبعة عقود، تشكّل على يد أبٍ علّم أبناءه أن الرزق لا يُؤخذ بالحيلة، وأن البركة لا تسكن إلا مكانًا بُني على الحق. هنا لا تُقاس القيمة بعدد الفروع ولا بحجم الانتشار، بل بصدق اللقمة، واحترام الزبون، والخوف من الله في كل تفصيلة، مهما بدت صغيرة.

في هذا الحوار، لا يتحدث أشرف رفاعي كرجل أعمال، بل كإنسان تشكّل وعيه بين نار الشواية ودروس الحياة، يحمل وصايا والده في قلبه، ويؤمن أن الاستمرار نعمة، وأن الاسم أمانة، وأن «الكبابجي» ليس من يبيع المشويات فقط، بل من يحترم المهنة ويخلص لها.

كيف بدأت الحكاية؟ وكيف وُلد الاسم الأول للمكان في عالم الكبـاب؟

البداية كانت مع والدي الله يرحمه، من حوالي سبعين سنة. في البداية كان الاسم معروفًا بـ “كبابجي الطاهرة”، قبل أن يرتبط لاحقًا باسم الرفاعي ويصبح علامة معروفة في السيدة زينب وخارجها. كان والدي يقف بعربة صغيرة، صنايعي بسيط، اشتغل وتعب وربنا كرمه. محل وراء محل، لكنه لم يتكبر أبدًا، ولم ينسَ أن الأساس هو التقوى؛ كان يتقي الله في كل شيء، وهذه أكثر ملمح تعلمته منه.

ما الذي يميّز كباب الرفاعي عن غيره؟

نحن لا نستخدم الفلفل الأسود في تتبيلنا. كل شغلنا “ضاني”، وهذا يعطي طعماً مختلفاً تماماً.

حتى لو كانت اللحمة أقل جودة، الشغل الصحيح يجعلها ممتازة. نحن نعتمد على الملح والبصل والطماطم فقط. التوابل الكثيرة غالباً ما تُستخدم لإخفاء العيوب، أما الأكل الصحيح فلا يحتاج لما يغطيه.

متى تحملت المسؤولية الكاملة بعد والدك، خاصة وأنك وُلدت على أربع بنات؟

والدي توفي منذ حوالي تسع سنوات. ولأن لدي أربع بنات، فقد حملت مسؤولية كبيرة للحفاظ على حقهن وحق الاسم كما أوصى والدي.

كنت أقف معه في المحل حتى أثناء دراستي؛ فأنا أحمل بكالوريوس سياحة وفنادق، وهذا التعليم فرق معي كثيراً في الإدارة والتفكير وتطوير المكان مع الحفاظ على روحه.

ما سر الصنعة في تقطيع اللحمة؟

كل أكلة ولها “قطعية” معينة؛ فالكباب يختلف عن الكفتة والسجق. أنا أشرف على الفرم بنفسي.

الكباب والكفتة أصلهما “ريشة وبيت كلوة” فقط. نأخذ من الخروف القفص الصدري من الرقبة حتى نقطة معينة، وهي أغلى قطعة لكنها هي “الصح”.

ما أكبر لحظة شعرت فيها بالفخر؟

أكبر لحظة فخر كانت عندما استطعت الوقوف على قدمي مرة أخرى بعد وفاة والدي.

شعرت بالفخر حين استمر المحل ونهض من جديد، وقرأت الفاتحة على روحه وأنا أشعر أنني صنت الأمانة التي تركها في يدي.

لماذا ترفض التوسع وفتح فروع كثيرة؟

رزقنا مرتبط بهذا المكان. الاسم أمانة، ورغم محاولات الكثيرين لتقليد الاسم حتى خارج مصر، يبقى الأصل معروفاً. هذه الصنعة لو نُفذت في مكان آخر ستخرج بنتيجة مختلفة؛ فليس كل شيء قابلاً للتكرار.

كيف تدير فريق العمل وتحافظ على استقرار الصنعة داخل المكان؟

نحن هنا عائلة واحدة. أغلب العاملين هنا قضوا سنوات طويلة، وبعضهم عاصر والدي وشهد مواقفه. الخبرة هنا ليست مجرد وقت، بل هي تراكم صنعة واحترام متبادل. الكلمة هنا مسموعة بالثقة وليس بالمنصب.

وهنا يبرز دور “عم إبراهيم” في هذه المنظومة..بالفعل، عم إبراهيم هو أحد أقدم صنايعية الكباب في مصر، وهو زوج أخت الحاج محمد الرفاعي رحمه الله. وهو خبير عاصر البدايات وشهد كل مراحل تطور المهنة. عم إبراهيم كلمته تمشي على الجميع، حتى عليّ أنا شخصياً.

هو مثال للالتزام والنزاهة، وخبرته ومهارته هما العمود الفقري الذي تستلهم منه الأجيال الجديدة في السيدة زينب أصول المهنة.

عم إبراهيم، بخبرته الطويلة التي تجاوزت الخمسين سنة في صناعة الكباب، يرى أن سر نجاح أي محل في المهنة لا يكمن فقط في جودة اللحمة أو في سرعة التحضير، بل في الحرص على كل تفصيلة صغيرة منذ البداية وحتى النهاية.

يقول: “أنا دايمًا بقف على كل خطوة بنعملها، من أول ما بنقطع اللحمة لحد ما بتنزل على النار، وأتأكد إن كل حاجة ماشية صح. أي حد جديد يجي يشتغل، بقعد معاه وأوريله الصح من الأول، وما أسيبش حاجة للصدفة.

الصنعة أهم من السرعة، واللي يفهم الصح يثبت، واللي يغلط أقف معاه وأصححه.”وعن توزيع المهام داخل المحل، يوضح عم إبراهيم أن التنظيم والاحترام المتبادل هما الأساس: “أنا بعرف كل واحد بيشتغل إيه، وبوزع الشغل حسب خبرتهم، الكبير عنده كلام والصغير بيتعلم.

أي حد هنا يحاول يغلط أو يستهين بالشغل، أقف معاه على طول. الكل يسمع الكل، وبنشتغل كعيلة واحدة، مش بس موظفين. لما العمالة تعرف دورها صح، الزباين مابقوش يستنوا، وكل حاجة بتمشي بسلاسة.”

ويؤكد عم إبراهيم أن هذه القواعد ليست مجرد تعليمات بل فلسفة حياة: “الاحترام للزباين أولًا، والصدق في الشغل دايمًا، حتى لو اللحمة بسيطة، الطريقة الصح تخلي الأكل أحسن. الشغل الصح ما يحتاجش يخفي وراه حيل ولا توابل كتير، كل حاجة واضحة، والزبون يحس بالفرق.”

ويضيف أن الحفاظ على الصنعة والتراث في الكباب ليس بالأمر السهل، لكنه ممتع ومليء بالرضا: “أنا بحس بالسعادة لما أشوف الزباين راضيين، ولما أتعلم حد جديد ويحترم المهنة، ده كله بركة، ودي حاجة ربنا بيكرمنا بيها.”

وفي الختام… ماذا تقولون؟

يجيب أشرف الرفاعي وعم ابراهيم قائلين: الحمد لله، الصنعة رزق، والرزق لا يأتي بالفهلوة. طالما اللقمة نظيفة، سيستمر الكرم الإلهي.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.