القاهرة _ أميرة المحمدي :
في زمنٍ تتسارع فيه الضغوط النفسية، وتزداد عزلة الإنسان خلف شاشات الهواتف، تبرز نماذج شابة استطاعت أن تعيد للفن معناه الأعمق، بوصفه لغةً للروح ووسيلةً للشفاء. من بين هذه النماذج، تلمع تجربة سهيلة جمال، الشابة الطموحة التي اختارت أن تسير في مسارٍ غير تقليدي، يجمع بين علم النفس والفن التشكيلي، ليصبحا معًا أداةً للتغيير المجتمعي والعلاج النفسي.
سهيلة جمال، خريجة كلية الآداب قسم علم النفس – جامعة الفيوم دفعة 2023، وباحثة ماجستير في علم النفس الإكلينيكي، تنتمي إلى جيلٍ يؤمن بأن الشغف لا يجب أن يُقمع، بل يمكن تهذيبه وتوجيهه ليصبح رسالة. منذ سنواتها الأولى في الدراسة الثانوية، كان حلمها الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، غير أن ظروف الأسرة ورغبتها في البقاء داخل محافظتها قادتها إلى دراسة علم النفس، في رحلة بحثٍ أعمق عن الذات الإنسانية وأسرارها.

ورغم هذا التحول في المسار الأكاديمي، لم تتخلَّ سهيلة يومًا عن الفن. ظل الرسم والفن التشكيلي حاضرَين في حياتها، بل شكّلا متنفسها الأول في لحظات الضغط والانكسار. تقول سهيلة إنّها كانت تمارس الفن كنوعٍ من التنفيس، دون أن تدرك آنذاك أنها تطبّق أحد أساليب العلاج النفسي الحديثة، حتى اكتشفت خلال دراستها الجامعية مفهوم العلاج بالفن التشكيلي، لتدرك فجأة أن ما كانت تفعله بالفطرة، هو منهج علمي معتمد في علم النفس الإكلينيكي.
العلاج بالفن، كما توضّح سهيلة، ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل اتجاه نفسي علاجي يُستخدم في علاج بعض الاضطرابات، وفي تعديل السلوك، وخفض السلوكيات غير السوية، وتنمية القدرات العقلية والانفعالية. هذا الاكتشاف شكّل نقطة التحول الكبرى في حياتها، إذ شعرت للمرة الأولى أنها قادرة على الجمع بين شغفها بالفن وتخصصها الأكاديمي، في مسار يخدم الإنسان والمجتمع.
من هنا، ولدت مبادرة «مسار بالفن»، المبادرة المجتمعية التي أطلقتها سهيلة تحت إشراف مجلس الوزراء ووزارة الشباب والرياضة، مستهدفة الأطفال والنشء من سن 6 إلى 16 عامًا.
تهدف المبادرة إلى خفض السلوكيات غير المرغوبة، وتنمية الخيال والتفكير الإبداعي، وتعزيز الثقة بالنفس والمهارات الاجتماعية، إلى جانب تقليل التأثير السلبي للتكنولوجيا والانغماس المفرط في الهواتف الذكية، من خلال أنشطة فنية تُتيح للطفل التعبير عن مشاعره بصورة صحية.لم تظل المبادرة حبرًا على ورق، بل نزلت سهيلة إلى القرى النائية بمحافظة الفيوم، ودخلت المدارس ومراكز الشباب، تتحاور مع الأطفال بلغتهم البسيطة، وتطرح أسئلة عميقة من قبيل: «لو زعلنا نعمل إيه؟»، لتكون الإجابة: «نرسم».
عبر الرسم، استطاع الأطفال التعبير عن مشاعر مكبوتة، وعن مشكلات مثل التنمر والتعنيف، في مساحة آمنة لا تعتمد على الكلمات بقدر اعتمادها على اللون والخط.
إلى جانب دورها العلاجي، حققت سهيلة حضورًا لافتًا في المجال الفني؛ إذ حصدت مراكز متقدمة على مستوى جامعات مصر في الفنون، وشاركت في معارض عديدة، ودرست في مراكز فنون تابعة لوزارة الشباب والرياضة. كما اتجهت إلى الرسم الجداري، بدايةً من محاولات بسيطة تطورت مع الوقت، حتى أصبحت ترسم على مساحات واسعة، وتشارك في مبادرات فنية، وتحول هذا الشغف إلى مصدر عمل حقيقي، مدعوم بتفاعل إيجابي عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولم يكن تميزها محصورًا في الفن فقط، بل كانت طالبة نشاط من الدرجة الأولى خلال سنوات الجامعة، وشاركت في ملتقيات على مستوى الوطن العربي، حتى أصبحت الجامعة تختارها دائمًا سفيرةً لها في الفعاليات الكبرى. كثيرًا ما طُلبت بالاسم من وزارة الشباب والرياضة لتمثيل الجامعة والمحافظة ومصر في المؤتمرات، وشاركت في لقاءات تلفزيونية، وقدّمت فعاليات رسمية أمام رئيس الجامعة والمحافظ، قبل أن تطلبها جامعات أخرى لتقديم حفلات التخرج، ما منحها خبرة واسعة وثقة متزايدة بالنفس.
بعد التخرج، أدت سهيلة الخدمة العامة في الإدارة، وتم ترشيحها للعمل كأخصائية نفسية بمراكز فنون وزارة الشباب والرياضة، حيث لعبت دورًا إشرافيًا وتوجيهيًا، وقدّمت محاضرات عن الثقة بالنفس، ولا تزال حتى اليوم تحرص على الالتحاق بالدورات التدريبية المؤهلة للحصول على كارنيه مزاولة المهنة.ولا تنسى سهيلة توجيه الشكر لمن آمنوا بها في بداياتها، وعلى رأسهم أ. لمياء كساب، المديرة السابقة للدورة العامة لرعاية الشباب، التي منحتها دفعة ثقة حقيقية، ورشحتها للعمل كأخصائية نفسية، فكانت من أوائل الداعمين لمسيرتها.
كما تحظى بدعمٍ عائلي كبير؛ فأسرتها كانت ولا تزال سندها الأول، آمنت بموهبتها منذ الطفولة، وقدّمت لها الدعم المعنوي والمادي، إلى جانب أصدقائها الذين شاركوها الحلم والطموح.اليوم، تعمل سهيلة أيضًا في مكان فني بقرية تونس بمحافظة الفيوم، مقصدٍ للسياح ومحبي الفن، ورغم بُعد المسافة، فإنها تواصل الذهاب إليه منذ ثلاث سنوات، إيمانًا منها بأن الفن رسالة لا تعرف الكسل أو الأعذار.
تؤمن سهيلة جمال بأن الطموح لا سقف له، لكنها تدرك في الوقت ذاته حجم المسؤولية حين تصبح قدوة للآخرين. تقول إن معرفة أن من حولها ينظرون إليها كنموذج، يدفعها إلى تطوير نفسها باستمرار، لتكون على قدر هذه الثقة.
وفي رسالتها للشباب، تختصر سهيلة تجربتها بكلمات صادقة: «لا تيأس، حتى لو لم تصل إلى حلمك الأول. اسعَ فيما اختاره الله لك، وستجد فيه الخير. القراءة، ثم القراءة، ثم تطوير النفس… فبها وحدها نصنع ذواتنا».
هكذا تمضي سهيلة جمال في مسارها، بين لونٍ وفكرة، وبين علمٍ ورسالة، لتؤكد أن الفن حين يُمسك بيد العلم، يمكنه أن يداوي، ويُغيّر، ويصنع إنسانًا أكثر وعيًا وسلامًا.













