القاهرة _ أميرة المحمدي:
سجّلت الاحتياطات الأجنبية في مصر رقمًا قياسيًا جديدًا بنهاية يناير 2026، حيث وصلت إلى نحو 52.6 مليار دولار، بزيادة تُقدَّر بحوالي 1.14 مليار دولار مقارنة بنهاية ديسمبر الماضي. ويُعد هذا الارتفاع مؤشرًا اقتصاديًا مهمًا يعكس تحسن مستوى السيولة من العملات الأجنبية، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، سواء فيما يتعلق بالواردات الأساسية أو سداد الأقساط والفوائد على الديون.
ويُنظر إلى نمو الاحتياطي النقدي باعتباره أحد أهم مؤشرات الاستقرار المالي، إذ يمنح صانعي القرار مساحة أكبر في إدارة السياسة النقدية، ويعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية. كما أنه يدعم استقرار سوق الصرف، ويُسهم في تقليل الضغوط على العملة المحلية، خاصة في ظل تقلبات الأسواق العالمية.ويأتي هذا التطور بالتوازي مع تحركات اقتصادية أخرى تشمل تنشيط قطاعات السياحة، وزيادة تدفقات الاستثمار، وتحسن إيرادات بعض القطاعات الدولارية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على رصيد الاحتياطي لدى البنك المركزي.
كما يُعد الاحتياطي خط الدفاع الأول لأي اقتصاد في مواجهة الأزمات المفاجئة أو الاضطرابات في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.ومن زاوية تحليلية أوسع، فإن ارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى مستويات قياسية يمنح الاقتصاد المصري ما يُعرف بـ “هامش الأمان المالي”، وهو عنصر بالغ الأهمية في ظل بيئة دولية تتسم بعدم اليقين، وتقلب أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد.
فكلما ارتفع حجم الاحتياطي، زادت قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية دون اللجوء إلى إجراءات حادة قد تؤثر على السوق أو على النشاط الاستثماري.كما أن هذا التطور ينعكس إيجابيًا على التصنيف الائتماني ونظرة المؤسسات المالية الدولية للاقتصاد، حيث يُعد توافر احتياطي قوي من العملات الأجنبية أحد المعايير الأساسية في تقييم المخاطر السيادية.
وهو ما قد يساهم في تحسين شروط التمويل الخارجي مستقبلًا، وخفض تكلفة الاقتراض، وفتح المجال أمام أدوات تمويل أكثر تنوعًا.ومن منظور استثماري، فإن استقرار الاحتياطي وارتفاعه يبعث برسالة طمأنة إلى المستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء، مفادها أن الدولة تمتلك قدرة حقيقية على إدارة التزاماتها وتوفير النقد الأجنبي اللازم لحركة التجارة وتحويل الأرباح.
هذه الرسائل غير المباشرة كثيرًا ما تكون عاملًا حاسمًا في قرارات دخول استثمارات جديدة أو توسيع استثمارات قائمةأخيراً ارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى هذا المستوى لا يُعد مجرد رقم، بل يمثل إشارة استراتيجية على تحسّن أدوات الإدارة الاقتصادية وقدرتها على تعزيز مصادر النقد الأجنبي وتنويعها. وإذا استمر هذا الاتجاه التصاعدي مدعومًا بنمو الإنتاج والتصدير والاستثمار، فقد يتحول الاحتياطي من أداة حماية إلى رافعة نمو، تُسهم في توسيع هامش الحركة الاقتصادية وتعزيز الاستقرار طويل المدى


