القاهرة _ أميرة المحمدي:
يشهد ملف التوسع الزراعي في مصر زخمًا متجددًا مع عودة مشروع الدلتا الجديدة إلى صدارة المشهد التنموي، باعتباره أحد أبرز المشروعات القومية التي تستهدف تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية. ويأتي هذا المشروع في إطار رؤية استراتيجية طويلة المدى تتبناها الدولة المصرية لإعادة توزيع الخريطة الزراعية، وزيادة الرقعة المنزرعة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في السلع الأساسية.يمتد المشروع على مساحات شاسعة غرب الدلتا القديمة، ويعتمد على أحدث نظم الري والتكنولوجيا الزراعية، بما يسهم في رفع كفاءة استخدام المياه وتحقيق إنتاجية أعلى للفدان. كما يمثل المشروع نقلة نوعية في مفهوم التنمية الزراعية، حيث لا يقتصر على الزراعة فقط، بل يرتبط بإقامة مجتمعات عمرانية متكاملة ومشروعات صناعية قائمة على الإنتاج الزراعي، وهو ما يعزز القيمة المضافة ويخلق فرص عمل جديدة.
ويعكس الاهتمام المتزايد بهذا المشروع إدراك الدولة لأهمية الأمن الغذائي كأحد أعمدة الأمن القومي، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد وتقلبات الأسواق. فمع ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، أصبح من الضروري التوسع في الإنتاج المحلي لضمان استقرار السوق وتوفير السلع بأسعار مناسبة للمواطنين.كما يسهم مشروع الدلتا الجديدة في تخفيف الضغط عن الأراضي الزراعية القديمة في وادي النيل، من خلال خلق ظهير زراعي جديد يستوعب الزيادة السكانية ويحد من التعديات على الأراضي الخصبة. ويُعد ذلك خطوة مهمة نحو تحقيق تنمية مستدامة توازن بين متطلبات الحاضر واحتياجات المستقبل.كما يرتبط مشروع الدلتا الجديدة بشكل مباشر بجهود الدولة في التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، مثل نظم الزراعة الذكية والتحكم الرقمي في الري والتسميد، وهو ما يسهم في تقليل الفاقد من الموارد الطبيعية وتحقيق أعلى إنتاجية ممكنة.
ويعزز ذلك توجه مصر نحو التحول إلى نموذج زراعي أكثر استدامة يعتمد على العلم والابتكار بدلًا من الأساليب التقليدية.ومن زاوية اقتصادية، يُتوقع أن يلعب المشروع دورًا مهمًا في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية إلى القطاع الزراعي، خاصة مع توفير بنية تحتية متطورة تشمل طرقًا حديثة وشبكات نقل ومراكز لوجستية. ويمنح ذلك فرصًا كبيرة للشركات العاملة في مجالات التصنيع الغذائي والتعبئة والتصدير، بما يعزز من تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق العالمية.
كما يفتح المشروع آفاقًا واسعة أمام الشباب، سواء من خلال فرص العمل المباشرة في الزراعة أو عبر المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بها، مثل الصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية. وهو ما يتماشى مع خطط الحكومة المصرية لتمكين الشباب اقتصاديًا ودمجهم في عملية التنمية، خاصة في المناطق الجديدة التي يتم استصلاحها.ولا يقتصر تأثير “الدلتا الجديدة” على الداخل فقط، بل يمتد ليعزز مكانة مصر الإقليمية كمركز زراعي قادر على تلبية احتياجات الأسواق المجاورة، خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط.
فزيادة الإنتاج وتنوع المحاصيل يتيحان فرصًا أكبر للتصدير، بما يدعم الميزان التجاري ويوفر مصادر إضافية للعملة الأجنبية.وفي ظل التحديات المناخية العالمية، يمثل المشروع أيضًا خطوة استباقية لمواجهة آثار التغير المناخي، من خلال اختيار محاصيل تتحمل الظروف البيئية المختلفة وتطبيق نظم زراعة حديثة تقلل من استهلاك المياه. وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو بناء قطاع زراعي أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات المستقبلية.
وفي سياق أوسع، يمثل المشروع جزءًا من استراتيجية شاملة تنفذها الحكومة المصرية لتطوير قطاع الزراعة، تشمل التوسع في الصوب الزراعية، وتحسين سلالات المحاصيل، وتحديث البنية التحتية المرتبطة بالنقل والتخزين. وهو ما يعزز من قدرة القطاع الزراعي على دعم الاقتصاد الوطني وزيادة الصادرات الزراعية.
ومع استمرار تنفيذ مراحل المشروع، تتزايد التوقعات بأن يسهم “الدلتا الجديدة” في إحداث تحول حقيقي في خريطة الإنتاج الزراعي في مصر، ليصبح نموذجًا متكاملًا للتنمية الزراعية الحديثة، وقاعدة أساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي في السنوات المقبلة.




