dhl
dhl

حوار خاص|..أوليفيا أنيس: «أريد لوحاتٍ تُعرَف من روحها قبل أن يُقرأ اسمي»

القاهرة _ أميرة المحمدي:

من الإسكندرية، المدينة التي تتنفس الفن كما تتنفس البحر، خرجت الفنانة التشكيلية أوليفيا أنيس وهي تحمل في قلبها يقينًا مبكرًا بأن الرسم ليس هواية عابرة، بل قدرٌ شخصي ومسار حياة. منذ طفولتها كانت ترى الفن بصورة مختلفة؛ لم تكن تمسك القلم لتلوّن وحسب، بل كانت تبحث عن معنى، عن إحساس يُقال عبر اللون والخط.

كانت لوحاتها تُختار دائمًا لتُعلّق في غرفة المديرة، وكان ذلك الاختيار الصغير يمنحها فخرًا كبيرًا وثقة مبكرة في موهبتها، ثقة غذّتها أسرة آمنت بها في وقتٍ كان كثيرون يتساءلون: ماذا ستفعلين بالرسم؟تتحدث أوليفيا عن والدتها بوصفها الشريك الأول في الحلم؛ كانت رحلة شراء أدوات الرسم من المكتبة نزهة خاصة، تفتح فيها الأم المجال لابنتها لتختار ما تشاء من ألوان وكراسات، وكأنها تقول لها عمليًا: الفن يستحق. ذلك الدعم العائلي كان السند الحقيقي حين قررت الالتحاق بـكلية الفنون الجميلة، رغم نظرة مجتمعية لم تكن ترى في الفنون مسارًا مضمونًا.

لكنها دخلت الكلية كما يدخل العاشق عالمه المنشود؛ تصفها بأنها «أحلى سنين حياتي»، عالم آخر مليء باللوحات والتماثيل وكتب تاريخ الفن، مساحة يتجاور فيها التعلّم الأكاديمي مع تبادل الخبرات بين الطلاب، حيث تتكوّن الموهبة عبر التكنيك، والفرشاة، وفلسفة اللون.

تستلهم أوليفيا من تجارب كبار الفنانين، وتحب في أسلوب فينسنت فان جوخ وضوح الضربة اللونية وجرأة التعبير، لذلك تميل إلى الألوان الدافئة، وإلى إبقاء أثر الرسم ظاهرًا، كأن اللوحة تعلن عن نفسها ولا تتوارى خلف الصقل الزائد.

هي لا تريد عملاً مصقولًا حدّ البرود، بل لوحة «مرسومة» تنبض بالحياة، تكاد تنطق. ومع تطورها تغيّرت علاقتها بردود الفعل؛ بعد أن كانت تخشى ألا تعجب الناس، صارت ترى أن الأهم هو رؤيتها وجهدها، وأنه «لا توجد لوحة تفشل»، بل تجربة تضيف إلى صاحبها.

شاركت أوليفيا في معارض عدة، من بينها معرض «ألوان الحياة» الذي أُقيم في مؤسسة جريدة الأهرام، ومعرض «عروس البحر المتوسط» في القنصلية الإيطالية في الإسكندرية، إلى جانب مشاركات جماعية داخل مصر.

كما أنها عضو فاعل في مؤسسة Art Egypt Foundation وتمثلها في تنظيم المعارض في مدينة الإسكندرية، حيث تحرص على أن تكون جزءًا من الحركة الفنية المعاصرة، لا على هامشها. وهي إلى جانب مسارها كفنانة «فري لانس» تعمل مدرّسة، مؤمنة بأن الفن والتعليم والتواصل الثقافي خيوط متداخلة لا تنفصل.

في أعمالها، يبرز الجسد الإنساني وجسد الحيوان بوصفهما وسيطين للتعبير عن القوة والصمت والمشاعر الداخلية. في لوحة «النظرة النبيلة» مثلًا، يتجسد الحصان رمزًا للنبل والحرية والتوتر والهشاشة معًا؛ حركة الجسد ووضعية الرأس ليستا تفصيلًا تشكيليًا، بل لغة كاملة تقول ما تعجز عنه الكلمات. وبعد انقطاع دام عشر سنوات عن رسم اللوحات، عادت برسم الحصان، وكأنها تستعيد ذاتها عبره.

خلال تلك السنوات لم تنقطع تمامًا؛ كانت ترسم اسكتشات، وتشاهد أعمالًا عالمية، وتقرأ، حتى عادت بثقة أعمق ونضج أوضح.ومن أكثر أعمالها تأثيرًا لوحتها التي تناولت قضية ختان الإناث.

وعلى عكس ما قد يظن البعض، لم تشارك أوليفيا بهذه اللوحة في أي معرض فني، بل بادرت بإهدائها مباشرة إلى منصة “سيدات مصر” (Women of Egypt) حين رأت جهودهم في تسليط الضوء على هذا الملف.

اختارت في هذا العمل أن تقدّم الطفلة في صمت ثقيل، بعينين لا تعرفان هل تفرحان أم تحزنان، وبوردة تنزف داخل الجسد، في إشارة إلى ضغوط مجتمعية تُمارَس أحيانًا بحسن نية، لكنها تترك أثرًا مؤلمًا.

تقول إن ردود الفعل التي تلقتها جعلتها تؤمن أكثر بأن الفن قادر على ملامسة القضايا الحساسة وإحداث صدى حقيقي.

تحب أوليفيا مؤخرًا الرسم على جذوع الشجر، ورسم الباليه ولوحات الزجاج، وتستعيد حلمًا قديمًا حين عادت لتجسّد لوحة عن الرقص الشرقي بعدما قيل لها يومًا إنها لن تستطيع تنفيذها كما تتخيل.

رسمتها أخيرًا بالصورة التي سكنت خيالها طويلًا، وعُرضت فنالت إعجابًا واسعًا، لتؤكد لنفسها قبل غيرها أن الإصرار جزء من العملية الإبداعية.

أمنيتها واضحة: أن يكون لها طابع مميز، أن يتعرّف الناس إلى لوحتها من روحها قبل أن يقرأوا اسمها، وأن تبقى أعمالها حيّة في البيوت لا يملّها أصحابها، كما تبقى لوحات الكبار عبر الزمن.

وهي توجّه نصيحتها ببساطة صادقة: أيًّا كان عمرك، امنح الفن وقتًا؛ شاهِد، وتعلّم، ونفّذ، وطوّر نفسك. فالفن عند أوليفيا أنيس ليس ترفًا بصريًا، بل بحرًا واسعًا، وكل لوحة موجة تحمل في عمقها حكاية إنسان.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.