dhl
dhl

“حين يصمت الميكروفون.. وداعًا فهمي عمر شيخ الإذاعيين”

القاهرة _ أميرة المحمدي:

خيّم الحزن على الوسط الإعلامي المصري بعد إعلان وفاة الإذاعي الكبير فهمي عمر، الملقب بـ“شيخ الإذاعيين”، عن عمر ناهز 98 عامًا، بعد مسيرة طويلة امتدت لعقود شكّل خلالها أحد أهم أعمدة الإذاعة المصرية، وترك إرثًا يصعب تعويضه.

ولد فهمي عمر في 6 مارس 1928 بمحافظة قنا، وبدأ رحلته مع الإذاعة المصرية عام 1950، ليمضي نحو 37 عامًا داخل أروقة الميكروفون، متنقلًا بين البرامج والمناصب حتى أصبح رئيسًا للإذاعة المصرية في الفترة من 1982 إلى 1988، في مرحلة كانت الإذاعة خلالها في أوج تأثيرها وانتشارها.

لم يكن مجرد مذيع تقليدي، بل كان صاحب بصمة واضحة في تشكيل الوعي العام، حيث قدّم برامج خالدة أبرزها “ساعة لقلبك”، الذي فتح الباب أمام نجوم الكوميديا، كما ساهم في تأسيس الإعلام الرياضي الإذاعي، وقدم أولى التحليلات والتعليقات على مباريات الدوري، ليصبح صوتًا مألوفًا في البيوت المصرية عبر سنوات طويلة.

ومن اللحظات الفارقة في مسيرته، مشاركته في نقل أحداث تاريخية كبرى، حيث كان من أوائل الأصوات التي أعلنت عبر الراديو بيانات ثورة يوليو، بصوته الذي ارتبط بجملة “هنا القاهرة”، تلك العبارة التي سكنت وجدان أجيال كاملة. امتدت إسهاماته إلى خارج الاستوديو، فبعد تقاعده اتجه إلى العمل العام، حيث شغل عضوية مجلس النواب لسنوات طويلة، مواصلًا حضوره وتأثيره في الحياة العامة، كما ظل نموذجًا يُحتذى به في المهنية والانضباط الإعلامي.

حيث امتد تأثير فهمي عمر إلى أجيال كاملة من الإعلاميين الذين تتلمذوا على يديه أو تأثروا بأسلوبه الإذاعي الرصين، حيث كان يؤمن بأن الميكروفون مسؤولية قبل أن يكون شهرة، فحرص طوال مسيرته على ترسيخ قواعد المهنية والالتزام داخل الإذاعة المصرية، واضعًا معايير ظلّت تُدرّس وتُحاكى حتى اليوم.

ولم يكن حضوره مقتصرًا على الأداء الصوتي فقط، بل كان صاحب رؤية تطويرية للإعلام، إذ سعى خلال فترة رئاسته للإذاعة إلى تحديث المحتوى وتوسيع دائرة البرامج لتخاطب مختلف فئات المجتمع، مع الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية، وهو ما جعل الإذاعة في عهده منبرًا يعكس نبض الشارع المصري ويواكب تطوراته.

كما تميز بأسلوبه الإنساني القريب من الناس، فكان صوته يحمل دفئًا خاصًا جعل المستمع يشعر وكأنه في حوار مباشر معه، وهو ما ساهم في بناء علاقة ثقة نادرة بين المذيع والجمهور، تلك العلاقة التي أصبحت اليوم أحد أبرز التحديات في ظل زخم الإعلام الحديث وتعدد وسائله.

ورغم مرور السنوات وتغير أدوات الإعلام، ظل اسم فهمي عمر حاضرًا بقوة كرمز لزمن كانت فيه الكلمة تُحترم، والصوت يُصقل بالخبرة والثقافة، ليبقى رحيله خسارة حقيقية لقيمة إعلامية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يترك إرثًا خالدًا يذكّر الأجيال الجديدة بأن النجاح الحقيقي يبدأ من الإتقان والإخلاص للمهنة.

برحيل فهمي عمر، لا تفقد الإذاعة مجرد اسم كبير، بل تفقد زمنًا كاملًا كانت فيه الكلمة تُصاغ بعناية، والصوت يحمل مسؤولية، ويصنع تأثيرًا حقيقيًا في وجدان الناس. يبقى إرثه شاهدًا على عصر ذهبي للإعلام، وصوتًا لن يغيب مهما صمت الميكروفون.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.