dhl
dhl

تقرير خاص|.. “ذاكرة الورق”.. قرن من الزمان في مرآة إعلانات البنك الأهلي المصري

القاهرة – مصطفى المصري:

يُعد الأرشيف الإعلاني للبنك الأهلي المصري سجلًا موازيًا لتاريخ مصر الحديث؛ فمنذ تأسيسه كأول بنك إصدار في مصر، لم تكن إعلاناته مجرد وسيلة لجذب المودعين، بل كانت تعبيرًا عن “الهوية الوطنية” والتطور الاجتماعي. نُبحر في هذا التقرير عبر محطات زمنية صاغت مفهوم “الثقة المصرفية”.

أولًا: حقبة الثلاثينيات والأربعينيات.. “عصر الوقار والخط العربي”

في هذه الفترة، اتسمت الإعلانات بالرصانة الشديدة، حيث كان المستهدف هو “النخبة” وكبار الملاك.

* اعتمدت الإعلانات على المساحات البيضاء الواسعة، مع استخدام “التايبوجرافي” (فن الخط) كعنصر أساسي. كان يُرسم شعار البنك (الاسم بالخط الكوفي أو الثلث) بحجم ضخم يتوسط الصفحة.

* فلسفة الرسالة: ركزت الإعلانات على عبارات مثل “تأسس عام 1898” و “البنك الوطني المصري”، للتأكيد على العراقة والقدم. لم تكن هناك صور لأشخاص، بل مجرد نصوص تدعو لفتح “حسابات جارية” و”اعتمادات تجارية”.

* التاريخ التوثيقي: انتشرت هذه الإعلانات بكثافة في الدوريات المتخصصة والصحف الكبرى مثل “الأهرام” و”المقطم” بين عامي 1935 و1948.

ثانيًا: حقبة الخمسينيات.. “أنسنة المصرف والتركيز على العائلة”

شهدت هذه الفترة تحولاً جذريًا؛ حيث بدأ البنك في مخاطبة “الأسرة المصرية” والطبقة المتوسطة الصاعدة.

* ظهرت الرسوم اليدوية (Illustration) التي توثق مشاهد إنسانية. أشهرها إعلان يصور “رب الأسرة” وهو يشرح لابنه أهمية “دفتر التوفير”. كانت الألوان المتاحة (أسود وأبيض) تُستغل لإبراز الظلال والتفاصيل المعمارية لفروع البنك المهيبة.

* السرد القصصي: تحولت اللغة من “رسمية جافة” إلى “نصيحة أبوية”. كانت النصوص تدور حول “تأمين مستقبل الأبناء” و “القرش الأبيض لليوم الأسود”، دون الخوض في لغة الأرباح، بل في لغة “الأمان”.

* التاريخ التوثيقي: بلغت هذه الحملات ذروتها بين عامي 1952 و1959، تماشيًا مع التحولات الاجتماعية الكبرى في مصر.

ثالثًا: حقبة الستينيات.. “البنك في خدمة التنمية الوطنية”

بعد التأميم، تغيرت نبرة الإعلانات لتواكب التوجه الاشتراكي وبناء الدولة.

* الوصف البصري: دمجت الإعلانات بين صور المنشآت الصناعية وبين شعار البنك. ظهرت صور “العمال” و”المهندسين” بجانب المواطن العادي، للدلالة على أن أموال المودعين تُبني بها المصانع.

* الرسالة الإعلانية: التركيز على مفهوم “الادخار القومي”. لم يعد البنك مجرد مكان لحفظ المال، بل أصبح “شريكًا في بناء السد والمصنع”.

* التاريخ التوثيقي: سادت هذه الروح الإعلانية في الفترة من 1961 حتى أواخر الستينيات.

رابعًا: المقارنة مع العصر الحالي (2026).. “من الورق إلى السحابة”عند النظر إلى إعلان عام 1940 وإعلان عام 2026، نجد مفارقة مذهلة:

* في الماضي: كان الإعلان يحتاج لمساحة في جريدة ورقية ليقنعك بزيارة الفرع “بشخصك” للقيام بعملية إيداع تستغرق ساعة.

* في الحاضر: أصبح الإعلان عبارة عن “إشعار” (Notification) على هاتفك المحمول، يدعوك لفتح حساب عالمي في ثوانٍ.

* الثابت الوحيد: هو “لوجو” البنك الأهلي الذي تطور بصريًا ليصبح أكثر بساطة (Minimalist)، لكنه احتفظ بلونه الأخضر الذي يرمز للنماء والخير، وهي الرسالة التي بدأت قبل مئة عام ولا تزال مستمرة.

ختاماً

إن تاريخ إعلانات البنك الأهلي المصري هو رحلة من “الرسم بالريشة” إلى “الذكاء الاصطناعي”، رحلة لم تكن تهدف لبيع منتج بنكي بقدر ما كانت تهدف لغرس قيمة “الاستقرار” في وجدان المواطن المصري، ليظل البنك -كما وصفت إعلانات الخمسينيات- “حصن الأمان لكل زمان”.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.