القاهرة – مصطفى المصري:
في منتصف السبعينيات، وتحديداً في عام 1975، لم يكن المشهد المصرفي المصري يتوقع أن الشراكة التي ولدت بين “البنك الأهلي المصري” وعملاق المال الأمريكي “تشيس مانهاتن” ستتحول يوماً ما إلى الكيان الأبرز الذي يقود القطاع الخاص المصرفي في البلاد.
اليوم، يقف البنك التجاري الدولي (CIB) ليس فقط كأكبر بنك قطاع خاص، بل كأيقونة للاستثمار المؤسسي ومدرسة خرّجت أجيالاً من المصرفيين.
البداية: زواج الخبرة العالمية بالسيادة الوطنية
تأسس البنك تحت مسمى “تشيس الأهلي المصري”، في ذروة سياسة الانفتاح الاقتصادي.
كانت المعادلة وقتها واضحة: خبرة “تشيس مانهاتن” في الإدارة والتكنولوجيا مقابل ثقل “البنك الأهلي” محلياً. استمرت هذه الشراكة لـ 12 عاماً، كانت بمثابة فترة “الحضانة” التي اكتسب فيها الكيان الناشئ جينات العمل المصرفي العالمي.
1987: لحظة الاستقلال الكبرى
جاء عام 1987 ليمثل المنعطف الأهم؛ حيث قرر الشريك الأمريكي الخروج من حصته، ليقوم البنك الأهلي المصري بشرائها كاملة، ويتحول الاسم إلى “البنك التجاري الدولي – CIB”.
لكن المفاجأة لم تكن في تغيير الاسم، بل في “الرؤية”؛ حيث لم يكتفِ البنك بالبقاء تحت مظلة الدولة، بل بدأ التخطيط للتحول إلى مؤسسة مساهمة عامة تدار بفكر القطاع الخاص الخالص.
هندسة الصعود: كيف تربع CIB على القمة؟
لم يصل البنك إلى مكانته الحالية بمحض الصدفة، بل عبر استراتيجية ارتكزت على ثلاثة أعمدة رئيسية:
• الخصخصة والبورصة: في أوائل التسعينيات، قاد CIB موجة التحول الرأسمالي، حيث تراجعت حصة البنك الأهلي تدريجياً لصالح مساهمين من القطاع الخاص ومؤسسات دولية، ليصبح البنك الأول الذي تُتداول أسهمه في البورصة المصرية بقوة، بل وكان السبّاق عالمياً بإصدار شهادات إيداع دولية (GDR) في بورصة لندن عام 1996.
• التكنولوجيا كمحرك لا كأداة: بينما كانت البنوك التقليدية تعتمد على الدفاتر، كان CIB يستثمر بكثافة في البنية التكنولوجية، مما جعله “البنك الرقمي الأول” في مصر، وهو ما منحه مرونة فائقة في إدارة الأزمات الاقتصادية.
• تفريخ الكوادر: يلقب الخبراء CIB بـ “جامعة المصرفيين”؛ حيث أن أغلب القيادات التي تدير بنوكاً أخرى اليوم في مصر، تلقت تدريبها واكتسبت خبراتها داخل أروقة هذا البنك.
أرقام تتحدث: لغة القوة المالية
تشير الميزانيات العمومية للبنك في السنوات الأخيرة إلى تفوق كاسح، حيث يسيطر على حصة سوقية ضخمة في قروض الشركات، مع الحفاظ على معدلات كفاية رأس مال تتجاوز المعايير الدولية . كما بات البنك يمثل “ترمومتر” الاستثمار الأجنبي في مصر، كونه المفضل لدى الصناديق السيادية والمستثمرين الدوليين.
ما وراء الحدود: الطموح الأفريقي
لم تعد حدود مصر تكفي طموحات “العملاق الأخضر”؛ فخلال السنوات القليلة الماضية، بدأ البنك رحلة التوسع في القارة السمراء عبر الاستحواذ على بنوك في كينيا، في خطوة تهدف لتحويل CIB إلى جسر مالي يربط بين شمال القارة وشرقها.
إن قصة تحول CIB هي تجربة ملهمة في “التحول المؤسسي”؛ حيث نجح بنك بدأ كشراكة محدودة في أن يصبح “المعيار الذهبي” للقطاع المصرفي المصري، مثبتاً أن الإدارة الاحترافية والحوكمة الصارمة هما الضمانة الوحيدة للنمو المستدام في عالم المال المتقلب.


