الإسكندرية – نورهان مهران – محمد عمر:
إذا كنت من محبي الطعام التقليدي والمعتاد، فلا تبحث عن مطعم «صواريخ» بالإسكندرية؛ فهنا تجد تركيبات غير مألوفة وأصنافًا قد لا تخطر على بالك، في محاولة لتقديم مذاقات جديدة على مائدة الأكل الشعبي.
وعلى مدار عقود، ارتبط المطعم بزبائن من أبناء المنطقة، وأصبح اسمه حاضرًا في ذاكرة كثير من محبي الطعام السكندري. فمن عربة طعام صغيرة بدأت في ستينيات القرن الماضي، امتدت الحكاية عبر جيلين، معتمدة على جودة الخامات وتجربة مكونات جديدة.

من عربة طعام في الستينيات إلى مطعم في حي الجمرك
تعود بداية الحكاية إلى ستينيات القرن الماضي، حين بدأ والد الحاج محمد مشروعه بعربة صغيرة لبيع الطعام، حتى تمكن من افتتاح أول محل في منطقة الجمرك.
واعتمد الوالد على جودة الخامات وتطوير الخلطات، مع تجربة إضافات جديدة واختبار مدى تقبل الزبائن لها.
ومع بداية الثمانينيات، بدأ الحاج محمد يشارك والده في العمل، واستكمل مسيرته معه بعد انتهاء دراسته، لتبدأ مرحلة جديدة من التطوير وإضافة الأصناف.
لماذا «صواريخ»؟
لم يكن اسم المطعم حاضرًا منذ البداية، بل أطلقه عدد من طلاب الجامعات والشباب الذين اعتادوا زيارة المكان لتناول الفول بالسدق شديد الحرارة.
ومع قوة التوابل، أطلقوا عليه اسم «صواريخ»، ليصبح الاسم الذي بدأ على سبيل الوصف هو العلامة التي يعرف بها المطعم اليوم.
ويوضح الحاج محمد أن السر ليس في حرارة الطعام وحدها، بل في خلطة توابل تمنحه مذاقًا مميزًا يجعل الزبون يرغب في تكراره.
صواريخ.. اسم صنعه النجاح وحاول آخرون الاستفادة منه
وعند سؤال الحاج محمد عن انتشار مطاعم أخرى تحمل اسم «صواريخ»، يرى أن استخدام البعض للاسم دليل على نجاحه وتميزه، قائلًا: «لو لم نكن مميزين، لما استخدم البعض اسمنا».
ويعتبر هذه الممارسات نوعًا من المنافسة غير الشريفة، مؤكدًا أن صاحب المهنة عليه أن يبني نجاحه باسمه ومجهوده، لا بالاستفادة من مجهود الآخرين.
وأشار إلى أن اسم «صواريخ» علامة تجارية مسجلة ومحمية منذ أكثر من 25 عامًا، بحسب قوله.
شغف الحاج محمد بالأطعمة.. وتجارب غير مألوفة على مائدة الطعام
لم يكتفِ الحاج محمد باستكمال ما بدأه والده، بل اتخذ من التجربة وسيلة لتقديم أكلات غير تقليدية، مؤمنًا بإمكانية الجمع بين مكونات مختلفة للوصول إلى مذاقات جديدة.
ومن بين أبرز هذه التجارب:
- ساندويتش الكوارع.. من طبق تقليدي إلى وجبة سريعة
ارتبطت الكوارع عادةً بتقديمها في الطواجن أو مع الفتة، لكن الحاج محمد قرر تقديمها في صورة ساندويتش.
ويقدم المطعم أيضًا جزءًا من لحمة الرأس، وهو من الأصناف التي يعمل بها منذ سنوات طويلة.
- كفتة البساريا.. تجربة بدأت بسؤال
بدأت الفكرة عندما تساءل الحاج محمد: لماذا لا نحول البساريا إلى كفتة، مثلما نقدم أنواعًا أخرى من كفتة الأسماك؟
لكن صغر حجم السمكة يجعل تنظيفها عملية شاقة؛ إذ يحتاج إنتاج كيلو واحد من الكفتة إلى نحو 15 أو 20 كيلوغرامًا من السمك، مع تنظيف كل سمكة على حدة.
ورغم المجهود، خاض التجربة حتى نجح في تقديم صنف جديد حظي بإعجابه وإعجاب زبائنه.
الفول بالسدق بالقشطة.. خلطة تكسر قواعد المألوف
نعم، «سدق» وليس «سجق».. هكذا يسميه أهل الإسكندرية. ويقول الحاج محمد إن مطعمه كان الأول في المدينة الذي يقدم الفول بالسدق، قبل أن يضيف إليه القشطة أيضًا.
وجاءت الفكرة من فلسفته في الجمع بين المكونات المختلفة؛ فهو يرى أن القشطة، باعتبارها أحد منتجات الألبان مثل السمنة والزبدة، يمكن إضافتها إلى الطبق لمنحه مذاقًا مختلفًا وتخفيف حدة التوابل الحارة.
التقاطيع.. إعادة اختيار المكونات الشعبية
يقدم المطعم أطباق التقاطيع، التي تضم مكونات معروفة في الأكلات الشعبية، مثل الكرشة وغيرها من الأجزاء الداخلية للحوم.
لكن الحاج محمد يختار أجزاء محددة اعتاد الناس تناولها، ويقدمها في تركيبات مختلفة، منها الفول بالسدق والكبدة، والسدق بالبسطرمة.
لا اعتماد على البلوجرز في الترويج للمطعم.. هذه فلسفة الحاج محمد
في وقت أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي وسيلة أساسية للترويج للمطاعم، يقول الحاج محمد إنه لا يعتمد على استقدام مدوني الطعام مقابل أجر للتحدث عن مطعمه.
ويشير إلى أن بعض الشخصيات الإعلامية ومقدمي برامج الطعام زاروا المكان بأنفسهم، ومن بينهم إسعاد يونس، ومقدمو برنامجي «الأكيل» و«مزاجانجي».
صواريخ.. حكاية مستمرة عبر الأجيال
من عربة طعام صغيرة بدأت في الستينيات إلى مطعم يواصل تقديم تجارب جديدة، تظل حكاية «صواريخ» تجربة انتقلت من جيل إلى آخر، مع محاولة مستمرة لتقديم أفكار مختلفة على مائدة الأكل الشعبي السكندري.



Comments are closed.