القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في شوارع القاهرة، حيث ينهل الصحفيون الأفارقة من مهد الحضارة، يُصاغ الإعلاميون غدًا جديدًا. ثلاث أسابيع من التدريب المكثّف، تجارب في المرمى العملية والتاريخية، وتواصل بين القلوب والعقول.هذا البرنامج ليس مجرد دورة، بل هو استثمار في بناء شبكة إعلامية إفريقية قوية، يحضرها مبدعو الغد، يكتبون ويصوّرون ويروّجون قصص أفريقيا بحرفية وعقل مفتوح على العالم ،وعلى مدار الأسابيع الماضية، تُكتب فصول برنامج تدريبي استثنائي، يجعل من العاصمة المصرية منصة لصقل مواهب صحفية أفريقية، تترقب فرص الحوار والتعلم والتواصل عبر القارات.في قلب القاهرة، وبين جدران قاعاتها المضيئة بروح الحوار، يجتمع الآن واحد وعشرون صحفيًا شابًا من عشرين دولة أفريقية، جاؤوا من خلفيات وثقافات مختلفة، لكنهم جميعًا يحملون ذات الشغف، شغف الحكاية ونقل الحقيقة. انطلقت الدورة الحادية والستون من برنامج التدريب الصحفي الإفريقي، الذي ينظمه اتحاد الصحفيين الأفارقة بالتعاون مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لتكون القاهرة مرة أخرى منصة تتلاقى عندها القارات وتتشابك فيها الأفكار والخبرات. على مدار ثلاثة أسابيع، يتنقل المشاركون بين ورش عمل وندوات مكثفة، تتناول كل ما يشغل بال الصحفي الإفريقي المعاصر؛ من اتفاقية السوق المشتركة القارية الإفريقية وتأثيرها على المشهد الإعلامي، إلى قضايا السلامة المهنية أثناء النزاعات، وملفات القوة الناعمة وحقوق الإنسان، مرورًا بكيفية التعامل مع سياسات القوى الكبرى تجاه.القاهرة تستضيف الطبعة الـ61 من تدريب الصحفيين الأفارقة حيث انطلقت في 16 أغسطس الجاري الدورة الـ61 من برنامج التدريب الذي تنسّقه اتحاد الصحفيين الأفارقة (UAJ)، بالتعاون مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر. يشارك في البرنامج 21 صحفيًا شابًا من 20 دولة أفريقية، إلى جانب صحفيين مصريين وقادة اتحاديين من ساحل العاج، جيبوتي، وأوغندا .البرنامج يمتد لثلاثة أسابيع متواصلة، وفيها ورش وندوات حول: اتفاقية السوق المشتركة القارية الإفريقية (AfCFTA) وتأثيرها الإعلامي ،السلامة الصحفية في أوقات الصراع والسلام ،القوة الناعمة الأفريقية، وحقوق الإنسان، وسياسات الولايات المتحدة تجاه إفريقيا ،الإعلام الأخلاقي، الاستثمار في الموارد الإفريقية، والحضارة المصرية.لكن الأمر لا يقتصر على المحاضرات والحوارات النظرية، فالتجربة هنا عملية حتى النخاع. الصحفيون الأفارقة يخوضون تدريبات على المونتاج بالفيديو مستخدمين أدوات الذكاء الاصطناعي، ويتعرفون عن قرب على آليات العمل داخل مؤسسات إعلامية مصرية كبرى مثل وكالة أنباء الشرق الأوسط ونقابة الصحفيين ومدينة الإنتاج الإعلامي، ليشاهدوا بأنفسهم كيف تُدار صناعة الخبر من الداخل. وما بين الجلسات التدريبية، يجدون أنفسهم وسط التاريخ الحي، يتجولون عند سفح الأهرامات، ويقفون أمام صمت أبي الهول، ويتعرفون على العاصمة الإدارية الجديدة كوجه معاصر لمصر التي تجمع بين عراقة الماضي ،وحداثة الحاضر.هذا البرنامج، الذي قد يبدو من الخارج مجرد تدريب مهني، هو في جوهره مساحة لبناء الجسور بين شعوب القارة. هنا تتلاقى اللهجات وتختلط اللغات، وتُروى القصص على القهوة وفي أروقة الفنادق، وتتشكل صداقات ربما تستمر لسنوات. كل لقاء وكل زيارة وكل ورشة تحمل معنى أكبر من مجرد تبادل معرفة، فهي استثمار في جيل جديد من الإعلاميين الأفارقة القادرين على صياغة رواية القارة بأصواتها الأصيلة وعيونها التي ترى ما وراء العناوين. وفي شوارع القاهرة، يكتب هؤلاء الشباب فصلاً جديدًا من قصة الصحافة الإفريقية، فصلًا يبدأ هنا لكنه سيستمر في عواصمهم وبلدانهم، محملًا بروح التعاون، وبمهارات تجعلهم أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المهنة، وأكثر قدرة على أن يكونوا صوت أفريقيا في عالم سريع التغير.


