dhl
dhl

فريدة.. طفلة مصرية تقاوم متلازمة نادرة بقوة الأمل وصلابة أم

القاهرة – مصطفى المصري:

لم تكن تعلم “اسما” أن يوم ميلاد ابنتها فريدة في 17 مايو 2020 سيكون بداية حكاية استثنائية، تختلط فيها دموع الخوف بدموع الأمل. وُلدت فريدة طفلة طبيعية تمامًا، تنمو وتكبر، تلعب وتضحك، تخطو خطواتها الأولى كأي طفلة في سنها، لتمنح والدتها أجمل لحظات الأمومة.لكن عند بلوغها العامين، بدأ شيء ما يتغير.

لاحظت الأم أن ابنتها تقوم بحركات غريبة بيديها، أشبه بالتصفيق للداخل. في البداية ظنت أنها مجرد لعبة جديدة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن الأمر أكبر من ذلك. تقول الأم:”كنت أراقبها بحيرة. لم تعد تمسك ألعابها، ولا تأكل بيديها، لم تعد تزحف أو تمشي أو حتى تتحدث كما اعتادت. شعرت وكأن حياتها تنطفئ شيئًا فشيئًا أمام عيني”.

رحلة البحث عن التشخيص

مع القلق الذي تملّكها، أسرعت اسما لعرض ابنتها على طبيب الأطفال، الذي أحالها مباشرة إلى أطباء المخ والأعصاب.

تعددت الزيارات وكثرت الاستشارات، حتى وصلت أخيرًا إلى طبيبة خبيرة، لم يخطئ قلبها التشخيص منذ اللحظة الأولى.”قالت لي الطبيبة إن هناك احتمالًا كبيرًا أن تكون ابنتي مصابة بمتلازمة ريت، لكنها فضّلت ألا تسبق الأحداث وطلبت إجراء تحليل جيني للتأكد”، تروي اسما.

الانتظار لم يكن سهلًا، خاصة حينما يخص حياة طفلة في عمر الزهور. حاولت الأم أن تعرف أكثر عن هذا المرض النادر، لجأت إلى الإنترنت، لكنها اصطدمت بواقع صادم: مرض جيني يصيب الإناث فقط، يتسبب في تراجع شديد في المهارات الحركية والذهنية، ويؤدي إلى فقدان الكلام والحركة، مع ظهور تشنجات وصعوبات في التنفس.

أمل وسط الظلام

وسط هذا القلق، قادها بحثها إلى مجموعة دعم عبر “فيسبوك” أنشأتها الدكتورة آية، وهي أم لطفلة أخرى مصابة بالمتلازمة ذاتها. هناك، وجدت إسما السند الحقيقي. تقول:”شعرت أنني لست وحدي. الأمهات في الجروب يساندن بعضهن البعض.

عرفت أن العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي هما الأمل الوحيد لتخفيف الأعراض والمحافظة على حالة ابنتي قدر المستطاع”.لم يطل الانتظار طويلًا، إذ جاءت نتيجة التحليل لتؤكد إصابة فريدة بالفعل بمتلازمة ريت. ومنذ ذلك اليوم، بدأت رحلة العلاج الطبيعي والحسي والوظيفي، رحلة مليئة بالتعب لكنها أيضًا محملة بالأمل.

تحديات جديدة

لم تتوقف التحديات عند هذا الحد. فبعد مرور عام، أصيبت فريدة بما يُعرف بـ”الكهرباء الصامتة” في المخ، وهي زيادة في النشاط الكهربائي غير الظاهر خارجيًا. ومعها بدأت رحلة جديدة مع الأدوية والفحوصات الدورية كل ثلاثة أشهر.

“كنت أعيش بين قلق ورجاء، لكن بفضل الله كانت نسبة الكهرباء تقل تدريجيًا، وهذا منحنا دفعة من الأمل”، تقول إسما.وفي عام 2023، ظهر دواء جديد في صورة شراب يُعرف باسم “دابيو”، يخفف من أعراض المتلازمة لكنه لا يحقق الشفاء التام. غير أن تكلفته الباهظة، التي تصل إلى نحو مليون وتسعمائة ألف جنيه للعبوة الواحدة، جعلته بعيد المنال بالنسبة لمعظم الأسر.

من الألم إلى رسالة

من قلب معاناتها، قررت إسما أن تحوّل قصتها مع فريدة إلى رسالة أمل ودعم. أنشأت صفحة خاصة لابنتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت تنشر من خلالها مقاطع فيديو توثق يومياتها، وتُطلق حملات توعوية لمساعدة الأمهات على اكتشاف المرض مبكرًا.”الصفحة لم تكن فقط متنفسًا لي، لكنها أصبحت نافذة أمل لكثير من الأمهات”، تضيف اسما.

وبالتعاون مع د. آية، أجرت الأم إحصائية عبر استمارات لتسجيل بيانات المصابات، وأظهرت النتائج وجود نحو 100 فتاة مصرية مصابة بمتلازمة ريت، منهن 55 حالة مؤكدة بالتحليل الجيني، بينما تم تشخيص الباقيات عبر الأطباء فقط.

بارقة أمل جديدة

اليوم، وبعد سنوات من المعاناة، بدأت فريدة تُظهر تطورات إيجابية. تقول الأم بابتسامة ممتزجة بالدموع:”فريدة الآن تقف بمساعدتي وتتحرك قليلًا. إنها خطوات صغيرة لكنها بالنسبة لي إنجاز عظيم”.

وبينما تواصل الأم صراعها مع واقع صعب، فإن الأمل لا يغيب. فالأبحاث الجينية الحديثة تبشّر بحقنة جديدة خضعت للتجربة على ثماني فتيات وحققت نتائج مبشرة، لكنها ما تزال تحت التجربة.”ننتظر هذا اليوم بشغف، يوم نسمع أن هناك علاجًا نهائيًا ينقذ فتياتنا من هذا المرض القاسي”، تختم إسما.

كلمة أخيرة

قصة فريدة ليست مجرد حكاية طفلة مصرية مع مرض نادر، بل هي شهادة حية على أن الأمومة قادرة على تحويل الألم إلى رسالة، واليأس إلى أمل. فبينما يقف الطب على أعتاب اكتشافات جديدة، تظل قلوب الأمهات أكبر من أي مرض، وأقوى من أي ندرة.فريدة، بابتسامتها الصغيرة، تكتب سطورًا من الصمود، وتذكّرنا أن الحياة مهما اشتدت قسوتها، تبقى هناك دومًا مساحة للأمل.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.