القاهرة – نهاد شعبان:
مع ارتفاع درجات الحرارة يظل كوب عصير بارد هو الملاذ الأقرب لقلوب المصريين، وبينما تنتشر المشروبات الغازية والعصائر المعلبة على أرفف المحال التجارية، تظل نكهات مثل قصب السكر، الكركديه، التمر الهندي، العرقسوس، والدوم، حاضرة في الشوارع والأحياء الشعبية وحتى الميادين الكبرى، تلك المشروبات لم تكن مجرد وسيلة لإطفاء العطش، بل تحولت إلى جزء أصيل من الثقافة المصرية والذاكرة الجماعية التي لا تغيب عن أي جيل.
قصب السكر.. ملك المشروبات
في كل شارع تقريبًا ستجد محلًا صغيرًا تتدلى على بابه عيدان القصب الطويلة، معلنًا عن ملك المشروبات الصيفية في مصر، كوب قصب السكر الطازج، بعذوبته الطبيعية، ظل لعقود طويلة المشروب المفضل للأسر المصرية، يتميز بقيمته الغذائية العالية، إذ يحتوي على سكريات طبيعية تمنح الجسم طاقة فورية، إلى جانب المعادن مثل الكالسيوم والماغنسيوم والبوتاسيوم.ويرتبط عصير القصب في الذاكرة الشعبية بالمحبة والبساطة، حيث يجتمع الأصدقاء حوله بعد يوم طويل من العمل أو في فترات الدراسة، بل إن بعض الأحياء الشعبية يعتبرونه جزءًا من طقوس المناسبات، فلا يخلو فرح أو احتفال صغير من “لفة قصب” بين المعازيم.

الكركدية.. من قهاوي مصر إلى العالم
أما الكركديه، ذلك المشروب الأحمر الداكن، فقد ارتبط بالأجواء الرمضانية أكثر من أي وقت آخر، يُشرب ساخنًا في الشتاء وباردًا في الصيف، ما يجعله مشروبًا متعدد المواسم، يتميز الكركديه بخواصه الطبية في خفض ضغط الدم، وتحسين الدورة الدموية، لذا أوصى به الأطباء منذ قرون.في المقاهي الشعبية، اعتاد رواد القهوة أن يطلبوا الكركديه كخيار صحي ولذيذ في الوقت نفسه، ومع مرور الزمن، أصبح أيضًا أحد المشروبات التي تُصدّر إلى الخارج، ليحمل معه نكهة مصرية أصيلة يطلبها المستهلكون في أوروبا وأمريكا.
التمر هندي.. ضيف رمضان الدائم
في ذاكرة المصريين، لا يكتمل شهر رمضان إلا بوجود التمر الهندي على المائدة، يُباع في الشوارع داخل زجاجات زجاجية قديمة أو في أكياس بلاستيكية شفافة، يحمل مذاقًا مميزًا يجمع بين الحموضة والحلاوة، ويشتهر التمر هندي بفوائده الهضمية، حيث يساعد على تلطيف المعدة بعد وجبات الإفطار الدسمة.لكن حضوره لا يقتصر على رمضان، ففي الصيف يظل التمر هندي مشروبًا منعشًا يُفضله الكثيرون على المشروبات الغازية، معتبرينه خيارًا طبيعيًا وصحيًا، وفي بعض المحافظات مثل أسوان والأقصر، لا يزال التمر هندي يُحضّر بطريقة تقليدية عبر نقعه في الماء لساعات طويلة، ثم يُصفى ويُضاف إليه السكر والثلج.
العرقسوس.. مذاق خاص
من بين المشروبات التقليدية التي تثير الجدل يبرز العرقسوس، صوته معروف في الشوارع، حين يسير البائع بخزان نحاسي ضخم على ظهره، ويعلن بصوته المميز: “عرقسوس”، رغم فوائده الصحية الكثيرة مثل تقوية المناعة وتنقية الكبد، إلا أن بعض الأطباء يحذرون من الإفراط فيه لارتباطه بارتفاع ضغط الدم.ومع ذلك، يظل العرقسوس علامة مميزة في المشهد المصري، لا سيما في شهر رمضان، حيث يقبل عليه الصائمون لإرواء عطشهم بعد يوم طويل.
الدوم.. حلاوة الصعيد
في محافظات الصعيد، يتربع الدوم على عرش المشروبات الصيفية، يُستخرج من ثمار شجرة الدوم التي تنمو في أسوان وقنا والأقصر، ويُعرف بمذاقه الفريد الذي يجمع بين الطعم الخشبي والحلاوة الخفيفة، وله قيمة غذائية عالية إذ يحتوي على ألياف ومعادن مفيدة لصحة القلب والكبد.انتقل الدوم من الجنوب إلى باقي المحافظات، ليصبح مشروبًا أساسيًا في محلات العصائر، لكنه ظل محتفظًا بجذوره الصعيدية وارتباطه بالبيئة المحلية هناك.مشروبات بطعم الحنينلا يمكن الحديث عن هذه المشروبات دون الإشارة إلى بعدها الاجتماعي.
فبائع القصب أو الكركديه أو العرقسوس ليس مجرد صاحب مهنة، بل جزء من نسيج الشارع المصري، صوته، حركاته، وزجاجاته المصفوفة، كلها مشاهد ارتبطت بذاكرة المصريين، حتى أن كثيرًا من المصريين في الغربة يفتقدون “لفة القصب” أو “كوب الكركديه البارد” أكثر من افتقادهم لمشروبات حديثة.
ويظل القصب، الكركديه، التمر الهندي، العرقسوس، والدوم، ليست مجرد مشروبات، بل حكايات شعبية تنبض بالحياة في شوارع مصر، في كل رشفة منها، يتذوق المصريون شيئًا من هويتهم وذاكرتهم الجمعية، ورغم تحديات العولمة وتغير الأذواق، تبقى هذه النكهات شاهدة على أن الأصالة لا تزول، وأن مصر ستظل دائمًا بلد “العطش الذي يرويه كوب قصب بارد على ناصية شارع قديم.



