القاهرة – نهاد شعبان:
شهدت مصر الأحد الماضي ظاهرة فلكية نادرة خطفت أنظار المواطنين وعشاق الفلك، حيث تحول القمر إلى قرص أحمر داكن في مشهد مهيب عرف باسم خسوف القمر الدموي، وهذا الحدث الاستثنائي استمر نحو خمس ساعات ونصف، جمع بين الجمال العلمي والدلالات الدينية، ليؤكد عظمة الخالق. بدأت مراحل الخسوف بدخول القمر منطقة شبه الظل في السادسة والنصف تقريبًا مساءً، وهي مرحلة غير ملحوظة بالعين المجردة، ومع حلول السابعة والنصف، دخل القمر في مرحلة الخسوف الجزئي، حيث بدأ ظل الأرض يغطي جزءًا من سطحه، لكن اللحظة الأهم جاءت في الثامنة والنصف تقريبًا، عندما اكتمل الخسوف ودخل القمر كليًا في ظل الأرض، ليظهر باللون الأحمر النحاسي البديع، وتحديدًا في ذروة المشهد عند الساعة التاسعة و12 دقيقة.
واستمر القمر في هذا الوضع قرابة ساعة و22 دقيقة، قبل أن يبدأ تدريجيا في استعادة لونه الطبيعي، لينتهي الخسوف تماما قبيل منتصف الليل، وبهذا تكون مصر قد شهدت واحدة من أطول الظواهر الفلكية في العقد الحالي، إذ استمرت كافة مراحلها نحو خمس ساعات و27 دقيقة.ومن أكثر الأسئلة التي تتبادر إلى الأذهان عند مشاهدة القمر الدموي هو لماذا يتحول لونه إلى الأحمر؟، حيث يوضح علماء الفلك أن السر يكمن في الغلاف الجوي للأرض، الذي يعمل كعدسة ضخمة تنكسر عبرها أشعة الشمس، وبينما يتم امتصاص وتشتيت الأطوال الموجية الزرقاء، تمر الأطوال الموجية الحمراء والبرتقالية لتصل إلى سطح القمر، فتنعكس نحو أعيننا لتُظهر هذا المشهد المذهل.

وفي شوارع القاهرة وعدد من المحافظات، اصطف المواطنون في الساحات وعلى أسطح المنازل وفي الحدائق العامة لمتابعة الظاهرة، ورصدت عدسات المصورين مشاهد ساحرة للقمر وهو يعتلي سماء مصر بوجهه الأحمر، مما جعل مواقع التواصل الاجتماعي تضج بالصور والتعليقات التي عبرت عن انبهار المصريين بجمال المشهد.ولم يقتصر هذا الحدث على الجانب العلمي فقط، بل ارتبط أيضًا بالجانب الروحي، حيث أعلنت وزارة الأوقاف إقامة صلاة الخسوف في مختلف المساجد الكبرى، استنادًا إلى السنة النبوية التي حثت المسلمين على الصلاة والدعاء عند حدوث الخسوف أو الكسوف، وفي المساجد، اجتمع المصلون ليؤدوا الصلاة بخشوع، معتبرين الظاهرة فرصة للتأمل والتقرب إلى الله، وتذكيرًا بقدرة الخالق الذي يظهر آياته في الكون بين الحين والآخر، كما تداولت بعض الصفحات الدينية على مواقع التواصل الاجتماعي أدعية مأثورة من بينها “اللهم اجعل هذا الخسوف رحمة لنا، ولا تؤاخذنا بذنوبنا”.

ويؤكد علماء الفلك أن متابعة مثل هذه الظواهر تساهم في زيادة وعي المجتمعات بأهمية علم الفلك ودوره في فهم الكون، كما أنها تتيح فرصة نادرة للباحثين لدراسة الغلاف الجوي للأرض وتأثيراته،وعلى الصعيد الثقافي، شكّلت الظاهرة مناسبة لتجمع الأسر والأصدقاء في أجواء من البهجة والدهشة، حيث التقط الكثيرون الصور التذكارية وشاركوا تجاربهم عبر المنصات الرقمية.من جانبه أوضح الدكتور جاد القاضي، رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية، في تصريحات سابقة له، أن هذه الظاهرة تمثل فرصة علمية نادرة لرصد حركة القمر ودراسة خصائص الغلاف الجوي، مضيفًا أن الخسوفات القمرية عمومًا لا تمثل أي خطورة على الأرض أو الإنسان، بل هي مجرد اصطفاف فلكي طبيعي بين الشمس والأرض والقمر.


