القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
تعيش مصر اليوم لحظة فارقة في مسارها الصحي والتنموي مع بدء توطين صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية، عبر مشروع مصنع Biogeneric Pharma الذي يُعد أحد أكبر الاستثمارات الدوائية في المنطقة. فالمسألة لم تعد مجرد توفير أمصال ولقاحات لمواجهة الأمراض، بل تحوّلت إلى ملف سيادي واستراتيجي يرتبط مباشرةً بالأمن القومي، والسيادة على القرار الصحي، وحماية الاقتصاد الوطني من تقلبات السوق العالمية.• صناعة اللقاحات كأداة للأمن القوميلقد أظهرت جائحة “كوفيد-19” بجلاء هشاشة المنظومة العالمية في توزيع اللقاحات، إذ اصطفت دول كثيرة على قوائم الانتظار، فيما احتكرت شركات كبرى ومراكز نفوذ غربية القدرة على الإنتاج والتوزيع. ومن هنا، أدركت مصر أن امتلاك قاعدة إنتاج محلية ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية مواطنيها وضمان استدامة توافر الجرعات في مواجهة الأوبئة المستقبلية.• المكاسب الاقتصادية المباشرةتُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن حجم سوق اللقاحات العالمي تجاوز 70 مليار دولار عام 2024، مع توقعات ببلوغه أكثر من 100 مليار دولار بحلول 2030. أما إفريقيا، فتمثل أقل من 1% فقط من الإنتاج العالمي رغم كونها من أكثر القارات احتياجًا.تشير التقديرات إلى أن مصر تستورد لقاحات وأدوية حيوية بما يتجاوز 300 مليون دولار سنويًا، وهو ما يمكن تخفيضه تدريجيًا مع دخول الإنتاج المحلي حيّز التنفيذ.سيتيح المصنع إنتاج ملايين الجرعات سنويًا (تصل في مراحل لاحقة إلى نحو 50–70 مليون جرعة)، بما يقلل الضغط على العملة الأجنبية ويعزز ميزان المدفوعات.كما أن الفائض المتوقع من الإنتاج قد يُفتح أمامه أسواق إفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي لتصدير الأدوية واللقاحات، ويحوّل الصناعة من عبء مالي إلى رافد اقتصادي حقيقي.• توطين التكنولوجيا ونقل المعرفةولا يقف الأمر عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى نقل وتوطين التكنولوجيا المتقدمة. إذ تتطلب صناعة اللقاحات بنية تحتية معقدة تشمل معامل عالية التعقيم، وتكنولوجيا دقيقة في حفظ المواد البيولوجية، فضلًا عن كوادر بشرية مؤهلة. ومن ثم، فإن المشروع يُحفّز منظومة البحث العلمي، ويخلق جيلًا جديدًا من العلماء والباحثين المصريين القادرين على الإبداع والابتكار، لا مجرد التشغيل.• تحديات التجربة المصريةلكن هذه الخطوة الطموحة لن تكون خالية من التحديات:التمويل والاستدامة: إذ تتجاوز كلفة تطوير لقاح واحد جديد عالميًا حاجز 500 مليون دولار في المتوسط، ما يتطلب خطط دعم مستمرة.
المنافسة العالمية: حيث تتحكم شركات محدودة في السوق وتحتكر براءات الاختراع، ما يفرض على مصر أن تبني شراكات ذكية وتستثمر في الابتكار المحلي.الثقة المجتمعية: نجاح أي منظومة لقاحات يرتبط بثقة المواطنين في مأمونيتها وكفاءتها، وهو ما يقتضي حملات توعية وتواصل شفاف ومستمر.• البُعد الإقليمي والدور الرياديإلى جانب البُعد المحلي، فإن لمصر فرصة استراتيجية في لعب دور إقليمي محوري. فالقارة الإفريقية، التي تضم أكثر من مليار نسمة، ما زالت تفتقر إلى بنية قوية لإنتاج اللقاحات. وتشير تقديرات الاتحاد الإفريقي إلى أن 99% من اللقاحات المستخدمة في القارة مستوردة. وهنا، يمكن لمصر أن تملأ هذا الفراغ، وتتحول إلى منصة إمداد إقليمية تدعم دول الجوار، بما يعزز نفوذها السياسي والاقتصادي في آن واحد.إن مشروع Biogeneric ليس مجرد مصنع جديد يُضاف إلى خريطة الصناعة، بل هو استثمار في المستقبل، يدمج بين الأمن الصحي والسيادة الوطنية والجدوى الاقتصادية. فمع كل جرعة تُنتَج محليًا، تقل درجة الارتهان للخارج، وتُبنى ثقة أكبر بقدرات الدولة، ويُفتح باب أمام مصر لتكون في مصاف الدول التي لا تكتفي بحماية شعوبها، بل تمد يد العون لجيرانها.إنها بالفعل بداية جديدة، قد تكون أصعب من مجرد بناء خطوط إنتاج، لكنها خطوة كبرى نحو عصر الاكتفاء الذاتي، وتحقيق معادلة الأمن الصحي والاقتصادي في آن واحد.





