القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
منذ فجر التاريخ، ارتبط الإنسان بالأرض؛ يزرعها ويحصدها، فتمنحه الحياة وتشكّل هويته. لكن في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الأرض وحدها ميدان الزراعة. فالعلماء اليوم يخوضون مغامرة غير مسبوقة: إنبات الحياة في الفضاء.الفكرة ليست ترفًا علميًا، بل ضرورة وجودية. إذا أراد الإنسان أن يستوطن القمر أو المريخ أو غيرهما من الكواكب، فلا يمكنه الاعتماد على إمدادات غذائية دائمة من الأرض. تكلفة إرسال كيلوغرام واحد من الطعام إلى الفضاء قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات. لذلك، فإن الحل الوحيد هو زراعة المحاصيل في الفضاء ذاته.وقد شهدنا بالفعل خطوات مهمة:في 2015، تمكن رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية من زراعة الخس الأحمر وتناوله للمرة الأولى.في 2022، أعلنت الصين نجاحها في إنبات حبوب الأرز في بيئة تحاكي سطح القمر.ناسا تواصل تجاربها على نباتات مثل البطاطس والطماطم، لقياس مدى قدرتها على التكيف مع انعدام الجاذبية.التحديات هائلة:غياب التربة: في الفضاء لا توجد تربة طبيعية، لذلك يتم استخدام محاليل غذائية أو أنظمة زراعة مائية (Hydroponics).
انعدام الجاذبية: الجذور لا تنمو طبيعيًا كما على الأرض، مما يفرض ابتكار طرق جديدة لتثبيت النباتات.المياه: على سطح المريخ مثلًا، المياه موجودة في صورة جليد، واستخراجها عملية معقدة.الإشعاع الكوني: الذي قد يفسد نمو النباتات أو يجعلها غير صالحة للاستهلاك.لكن رغم هذه العقبات، الحلم مستمر. فوكالة الفضاء الأوروبية تتحدث عن “مزارع فضائية” على المدى الطويل، فيما تسعى شركات خاصة مثل “سبيس إكس” إلى تطوير تقنيات يمكنها دعم مستعمرات بشرية مكتفية ذاتيًا غذائيًا.الأمر يتجاوز البُعد العلمي إلى بُعد اقتصادي واستراتيجي. الدولة التي تسيطر على تقنيات الزراعة الفضائية قد تصبح صاحبة اليد العليا في “اقتصاد الفضاء”. كما أن هذه الأبحاث قد تعود بالنفع على الأرض نفسها، إذ يمكن استخدام تقنيات الزراعة المائية والهوائية لحل مشكلات نقص الأراضي الزراعية والتصحر.فلسفيًا، يفتح هذا الملف تساؤلات عميقة: هل ستفقد الزراعة ارتباطها بالهوية الإنسانية حين نأكل طعامًا وُلد تحت سماء غير أرضية؟ وهل يمكن أن يصبح “رغيف الخبز المريخي” حقيقة يومًا ما؟الزراعة في الفضاء هي أكثر من مجرد مشروع علمي؛ إنها رمز لمستقبل لا يعرف حدودًا. قد تمر سنوات أو عقود قبل أن نصبح “مزارعين كونيين”، لكن الاتجاه واضح: الأرض لم تعد وحدها المائدة الكبرى للإنسان.




