dhl
dhl

الهجرة العكسية للشباب.. حين يعودون إلى الوطن حاملين خبرات العالم”

“القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم تعد الهجرة في عصرنا الحديث طريقاً أحادياً بلا عودة، كما كان يُتصوَّر في عقود مضت. فبعد أن كان حلم معظم الشباب يتمثل في مغادرة أوطانهم بحثاً عن فرص أفضل في التعليم أو العمل أو الحياة الاجتماعية، بدأت ملامح ظاهرة جديدة في الظهور، أطلق عليها الخبراء اسم “الهجرة العكسية”، حيث يتخذ العديد من الشباب قرار العودة إلى بلادهم الأصلية بعد سنوات من الاغتراب. هذه العودة لا تحمل فقط الحنين للوطن، بل تتجاوز ذلك إلى نقل الخبرات والمعارف والموارد التي اكتسبوها خلال رحلتهم في الخارج.الهجرة العكسية لم تعد مجرد حالات فردية، بل تحوّلت إلى موجة اجتماعية واقتصادية واضحة في بعض الدول. فمع تزايد التحديات في دول المهجر – من غلاء المعيشة، وصعوبة الحصول على الإقامات طويلة الأمد، واشتداد المنافسة على فرص العمل – بدأ الشباب يعيدون النظر في فكرة البقاء هناك. في المقابل، تعمل بعض الحكومات على تحسين بيئة الاستثمار المحلي، وفتح مسارات جديدة لريادة الأعمال، بما جعل العودة خياراً واقعياً ومغرياً.هذه الظاهرة تحمل في طياتها تأثيرات مزدوجة؛ فهي من جهة تخفف من نزيف العقول والكفاءات الذي طالما عانت منه الدول النامية، ومن جهة أخرى تضع تحديات جديدة أمام الحكومات التي عليها أن توفّر للمُهاجر العائد بيئة عمل وفرصاً ملائمة توازي ما اعتاد عليه في الخارج. لكن الأهم أن العودة لا تكون مجرد استقرار شخصي، بل تمثل إضافة نوعية لسوق العمل المحلي من خلال الأفكار الحديثة، والتقنيات المتطورة، وأساليب الإدارة العالمية التي يضيفها الشباب العائدون.اللافت أن جيل الألفية وما بعده – المعروف بجيل “Z” – هم الأكثر قابلية للهجرة العكسية، فهم لا يرون في العودة “فشلاً”، بل يعتبرونها مرحلة جديدة من التجربة. هؤلاء الشباب يحملون عقلية مرنة، تؤمن بالانتقال بين الأماكن والفرص، لكن مع ارتباط عاطفي وثقافي قوي بالوطن الأم.

لذلك، نرى العديد منهم يعود ليبدأ مشروعاً ناشئاً في مجالات التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، أو حتى الصناعات الإبداعية مثل الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى.الخبراء يشيرون إلى أن عودة الشباب تحمل معها أيضاً تغييراً في الثقافة المحلية؛ إذ يدخل هؤلاء في نقاشات حول قيم العمل، وأهمية الوقت، واحترام القانون، وهي ممارسات اكتسبوها في الخارج ويحاولون ترسيخها في مجتمعاتهم. ومن ثم فإن الهجرة العكسية ليست مجرد حركة بشرية، بل هي أيضاً جسر بين الثقافات، وفرصة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي بما يتماشى مع متطلبات العصر. تبدو الهجرة العكسية علامة فارقة في مسار العلاقة بين الفرد ووطنه. هي دليل على أن فكرة “الوطن البديل” لم تعد صامدة أمام تغيّرات الواقع، وأن الشباب، مهما ابتعدوا، يعودون بخبرات العالم ليعيدوا استثمارها في أرضهم الأصلية. إنها رحلة دائرية، تبدأ بالرحيل وتنتهي بالعودة، لكنها عودة أكثر نضجاً، وأغنى بالمعرفة، وأشد ارتباطاً بالانتماء.لقد آن الأوان أن ننظر إلى ظاهرة الهجرة العكسية للشباب ليس باعتبارها مجرد خيار فردي، بل كتحوّل اجتماعي واقتصادي وثقافي يستحق الوقوف عنده طويلاً. فهؤلاء الذين عادوا لم يعودوا كما غادروا؛ عادوا أكثر وعياً، وأشد إدراكاً لمعنى الانتماء، وأكثر استعداداً لبناء وطن يجدون فيه مكاناً لهم ولأبنائهم. إنهم يحملون في عقولهم خبرات اكتسبوها من جامعات كبرى، وفي قلوبهم تجارب شكلتها الغربة بما فيها من ألم ونجاح، ليضعوها اليوم بين يدي وطنهم.قد يختلف الدافع بين شاب عاد مدفوعاً بالحنين، وآخر أجبرته الظروف، وثالث اختار أن يبني مستقبله في أرضه، لكنهم جميعاً يلتقون في نقطة واحدة: أن الأوطان لا تُستورد، وأن المستقبل مهما بدا مغرياً في الخارج يظل ناقصاً إذا لم يُكتمل تحت سماء الوطن. فالهجرة العكسية ليست مجرد رحلة عودة، بل هي إعلان ضمني بأن البناء الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن استثمار الطاقات المحلية هو السبيل الوحيد للنهوض.وإذا كان الماضي قد شهد نزيفاً للعقول الشابة، فإن الحاضر يعيد ترتيب المعادلة، لتصبح العودة عنواناً لمرحلة جديدة تتلاقى فيها الطموحات الفردية مع احتياجات الدولة. وهنا يبرز السؤال الأكبر: هل نستطيع أن نوفر لهؤلاء العائدين بيئة تُشبه أحلامهم، وتحتضن قدراتهم، وتحول رغبتهم في العطاء إلى إنجاز ملموس؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت هذه الهجرة العكسية مجرد موجة عابرة، أم بداية مشروع وطني متكامل لإعادة صياغة المستقبل.إنّ أعظم الأوطان ليست تلك التي لا يهاجر منها أبناؤها، بل تلك التي يعودون إليها مهما ابتعدوا، ويجدون فيها مساحة للكرامة، والنجاح، وتحقيق الذات. الهجرة العكسية إذاً، ليست مجرد نهاية رحلة، بل بداية حكاية جديدة، تُكتب سطورها الآن بإرادة شباب آمنوا أن جذورهم أعمق من كل مسافة، وأن الوطن يستحق دائماً أن يكون الصفحة الأولى والأخيرة في كتاب الحياة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.