القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
منذ أن خطّ الإنسان أول سطرٍ على ورق البردي، أدرك أن المعرفة أثمن من الذهب، وأن الكتاب أخلد من السيف. غير أن التاريخ يكشف لنا وجهًا آخر بالغ القسوة: فالمكتبات الكبرى، التي كانت حصونًا للمعرفة وكنوزًا للحضارات، لم تسلم يومًا من ألسنة النيران، لتتحول إلى رماد على يد الغزاة أو بفعل صراعات السلطة أو الإهمال. ولعل مأساة حريق مكتبة الإسكندرية القديمة تظلّ المثال الأشد رمزية على هذه الفاجعة المتكررة في تاريخ الإنسانية.فقد كانت مكتبة الإسكندرية في العصور البطلمية إحدى أعظم مكتبات العالم، قيل إنها ضمّت ما يقارب سبعمائة ألف لفافة بردية، جمعت علوم اليونان والمصريين والبابليين والهنود، حتى وُصفت بأنها «عقل العالم القديم». غير أن مصيرها غدا لغزًا تاريخيًا؛ فالروايات تتعدد بين احتراقها الأول حين غزا يوليوس قيصر الإسكندرية عام 48 ق.م، ثم ما قيل عن تدميرها في عهد الإمبراطور أورليان، أو في العصر المسيحي حين أغلقت المعابد، أو حتى في الفتح العربي. وما بين الروايات والجدل، يبقى المؤكد أن ذاكرة كاملة من علوم الأمم قد تلاشت في دخان الحريق.ولم يكن التاريخ أرحم بمكتبات أخرى. ففي عام 1258م، حين اجتاح المغول بغداد بقيادة هولاكو، أُحرقت دار الحكمة – أعظم مكتبة في الحضارة الإسلامية – وأُلقيت كتبها في نهر دجلة حتى قيل إن مياهه اسودّت من مدادها.
كانت تلك الكتب تحوي تراث قرون من الفقه والفلسفة والطب والهندسة، ضاع أكثره إلى الأبد.وفي الأندلس، شهدت قرطبة زمن الخليفة الحكم الثاني مكتبة بلغت محتوياتها مئات الآلاف من المخطوطات. لكن مع سقوط الأندلس، أمر الكاردينال سيسنيروس بحرق آلاف الكتب العربية في غرناطة عام 1499م، فيما عُدّ واحدة من أبشع جرائم محاكم التفتيش ضد الثقافة الإسلامية.ولم تتوقف الكوارث عند ذلك؛ ففي الحرب العالمية الثانية، تعرضت مكتبات كبرى في برلين ووارسو ودريسدن للتدمير، وفُقدت مخطوطات نادرة لا تُقدّر بثمن. وحتى العصر الحديث لم يسلم؛ ففي عام 2003، خلال غزو العراق، التهمت النيران المكتبة الوطنية العراقية ومركز الوثائق، وضاعت ملايين الصفحات من ذاكرة حضارة الرافدين.إنها سلسلة طويلة من الحرائق، تشي بأن تدمير المكتبات لم يكن صدفة عابرة، بل كان دومًا سلاحًا يُشهره الغزاة لكسر روح الأمم، فحرق الكتب هو الوجه الآخر لقتل الإنسان، إذ يُراد به قتل الذاكرة الجماعية للأمة.ومع ذلك، يبقى في كل حريق بذرة ولادة جديدة. فالإسكندرية التي فقدت مكتبتها القديمة، أعادت مصر في نهاية القرن العشرين بناء مكتبة الإسكندرية الحديثة، لتقف شاهدًا على أن النور قد يخبو، لكنه لا ينطفئ. واليوم، ومع ثورة الرقمنة وحفظ المخطوطات إلكترونيًا، صار تكرار تلك المآسي أقل احتمالًا، وإن ظلّ الحذر واجبًا، لأن الحروب لا تزال قادرة على استهداف الثقافة كما تستهدف العمران والإنسان.وهكذا، فإن الحديث عن مكتبة الإسكندرية لا ينفصل عن تاريخ طويل من النيران التي أحرقت ذاكرة العالم. وما بين رماد الكتب التي سُفكت حروفها في دجلة أو صارت رمادًا في غرناطة أو ذهبت أدراج الرياح في الإسكندرية، ندرك أن الكتاب لم يكن يومًا مجرد ورق، بل حياة كاملة، وأن إطفاء النيران عن المكتبات هو في جوهره حمايةٌ لروح الإنسانية ذاتها.




