القاهرة – نهاد شعبان:
رغم أن السيجارة لا تتجاوز بضع سنتيمترات، إلا أن أثرها البيئي قد يمتد لسنوات طويلة، فمخلفات التدخين، وعلى رأسها أعقاب السجائر، تعد من أكثر الملوثات شيوعا في العالم، ملايين الأعقاب تلقى يوميا في الشوارع والأنهار والحدائق، لتتحول إلى مصدر خطر على الإنسان والكائنات الحية، لكن السنوات الأخيرة شهدت ظهور مبادرات علمية وابتكارات تسعى إلى تحويل هذه النفايات السامة إلى مواد نافعة، في تجربة تثبت أن الدخان قد يتحول إلى أمل جديد.تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 5.6 تريليون سيجارة تستهلك سنويا حول العالم، ينتهي ثلثاها تقريبا في البيئة بشكل مباشر، أعقاب السجائر تحتوي على مادة الأسيتات السليلوزية، وهي مادة بلاستيكية تستغرق ما بين 10 إلى 15 عاما حتى تتحلل، وخلال تلك الفترة تطلق مواد سامة كالنيكوتين والمعادن الثقيلة في التربة والمياه، كما تصنف أعقاب السجائر كأكثر المخلفات شيوعا على الشواطئ، متفوقة حتى على الأكياس البلاستيكية والزجاجات، هذه النفايات لا تفسد المنظر العام فقط، بل تتسرب موادها إلى السلسلة الغذائية، حيث تبتلعها الأسماك والطيور، ما يهدد التوازن البيئي والصحة العامة.
ومع تفاقم هذه الأرقام، بدأ الباحثون ورجال الأعمال يبحثون عن طرق غير تقليدية للتعامل مع مخلفات التدخين، الفكرة الأساسية تقوم على جمع أعقاب السجائر ومعالجتها كمواد خام يمكن إعادة استخدامها بدلا من أن تتحول إلى ملوثات، من خلال تحويل أعقاب السجائر إلى طاقة، وهي تجارب حديثة أثبتت إمكانية معالجتها حراريا لإنتاج الكربون النشط، وهو مادة تستخدم في تنقية المياه والهواء، وهذا الابتكار يفتح الباب أمام استغلال ملايين الأطنان من المخلفات لتغطية جزء من احتياجات الصناعة.وفي العالم العربي، لا تزال مبادرات إعادة تدوير السجائر في بدايتها، لكنها بدأت تثير اهتمام الشباب والمجتمع المدني، فهناك بعض الفرق البحثية في الجامعات المصرية تدرس إمكانية معالجة أعقاب السجائر محليا لاستخدامها في صناعة مواد البناء، كما ظهرت مبادرات بيئية لجمعها من المقاهي والشوارع، في خطوة نحو رفع الوعي بخطورة إلقائها عشوائيا، وتشير دراسات محلية إلى أن مصر، باعتبارها من أكبر أسواق التدخين في المنطقة، تنتج ملايين الأعقاب يوميا، ما يجعل من إعادة تدويرها فرصة اقتصادية وبيئية في آن واحد.من جانبه أوضح الدكتور أحمد حسان، أستاذ الهندسة البيئية بجامعة المنصورة، أن الفكرة ليست مجرد تقليل التلوث، بل خلق صناعة جديدة، فإذا استطعنا جمع ولو 10% من الأعقاب سنويًا، يمكن تحويلها إلى منتجات نافعة، ما يوفر فرص عمل ويدعم الاقتصاد الأخضر، وترى المهندسة نجوى شعلان، ناشطة بيئية أن التحدي الأكبر هو الوعي، مضيفة أن الكثير من المدخنين لا يدركون أن عقب السيجارة أشبه بقطعة بلاستيك ملوثة بالسموم، ولابد من حملات توعية بالتوازي مع مشروعات إعادة التدوير”، ورغم الإبداع في إعادة تدوير أعقاب السجائر، إلا أن هناك عقبات حقيقية، فعملية الجمع على نطاق واسع تتطلب أنظمة لوجستية، مثل صناديق خاصة في الأماكن العامة أو برامج تشجيعية للمقاهي والمطاعم، ويجب التأكد من معالجة الأعقاب بشكل يزيل سمومها تماما قبل إعادة استخدامها، حتى لا تنتقل المخاطر من البيئة إلى المنتجات، كما أن التمويل يمثل عقبة حيث أن مشروعات إعادة التدوير تحتاج إلى استثمارات أولية مرتفعة، بينما العائد الاقتصادي المباشر قد يكون محدودا في البداية.




