dhl
dhl

صناعة البودكاست العربي: من الهامش إلى المنصات العالمية

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم يعد البودكاست مجرد وسيلة هامشية للترفيه أو نافذة صغيرة للهواة، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى صناعة قائمة بذاتها في العالم العربي، تجذب استثمارات، وتنتج محتوى متنوعًا يوازي ما تقدمه القنوات التلفزيونية أو الصحافة المكتوبة. لقد انتقلنا من مرحلة البرامج الصوتية البسيطة التي يسجلها شباب من غرفهم المنزلية إلى منصات احترافية تمتلك استوديوهات، فرق إنتاج، وخطط تسويق، بل وتنافس عالميًا في بعض الحالات.مع بداية موجة البودكاست عالميًا في العقد الماضي، كان حضور العالم العربي باهتًا، يقتصر على تجارب فردية متناثرة، غالبًا في موضوعات تنمية بشرية أو محتوى ديني وشخصي. لكن منذ عام 2017 تقريبًا، بدأت الأمور تتغير بشكل جذري مع ظهور منصات عربية متخصصة مثل «فنجان» التابع لشركة «ثمانية» السعودية، الذي أصبح من أشهر البرامج الحوارية في المنطقة، وأيضًا بودكاست «ألف ليلة وليلة» و«كرسي الاثنين» في مصر، التي مزجت بين الثقافة والتجربة الشخصية. وبالتوازي مع ذلك، ظهرت شركات إنتاج عربية تركز حصريًا على البودكاست مثل «بودكاست سول» في الأردن و«بودكاست الآن»في لبنان، لتفتح الباب أمام مئات المبدعين الشباب.وفقًا لتقارير إحصائية صادرة عن «Osselo Media» و«Arab Podcast Index»، فإن السوق العربي شهد تضاعف عدد المستمعين للبودكاست أكثر من ثلاث مرات بين 2019 و2024. وتحتل دول الخليج العربي ومصر المراتب الأولى في نسب الاستماع، حيث وصلت نسبة الشباب الذين يتابعون برامج صوتية أسبوعيًا في السعودية إلى حوالي 35%، وفي الإمارات إلى أكثر من 40%.

هذا الإقبال شجّع شركات كبرى مثل سبوتيفاي وأنغامي على إطلاق أقسام خاصة لدعم وإبراز البودكاست العربي.أحد أبرز التطورات هو دخول الإعلانات والرعايات إلى هذا المجال، بعدما أثبت البودكاست أنه وسيلة فعّالة للتأثير على جمهور محدد ومرتبط عاطفيًا بالمحتوى. شركات مثل STC السعودية وفودافون مصر وبيبسيكو رعت برامج عربية بارزة، لتصبح الحلقات الصوتية مصدر دخل حقيقي للمنتجين. هذا التحول وضع البودكاست في قلب الاقتصاد الإبداعي الجديد، حيث يُعد أقل تكلفة من إنتاج فيديوهات أو مسلسلات، لكنه أكثر قربًا من الجمهور، خصوصًا فئة الشباب.على مستوى المحتوى، لم يعد البودكاست مقتصرًا على الحوارات العامة، بل تنوّع بشكل ملحوظ: هناك برامج متخصصة في التاريخ مثل «أصوات من الماضي»، وأخرى في الأدب مثل «الرواية بودكاست»، فضلًا عن البودكاست الصحفي الاستقصائي مثل «سردية» الذي تناول قضايا حساسة في المنطقة. كما بدأ بعض الفنانين والموسيقيين في إطلاق برامج خاصة بهم لمشاركة قصص شخصية وكواليس حياتهم الفنية، مثلما فعلت بعض المغنيات العربيات على «ديزر».لكن مع كل هذا النمو، يظل التحدي الأكبر أمام البودكاست العربي هو المنافسة مع المحتوى العالمي. فعندما يستطيع المستمع أن يصل بسهولة إلى برامج عالمية احترافية بالإنجليزية أو الإسبانية أو حتى الكورية، يصبح على المنتج العربي أن يطوّر أسلوبه السردي والإخراجي ليجذب الجمهور. ولعل أحد الحلول التي بدأت بالظهور هو الاقتباس المحلي، حيث يعاد إنتاج بعض الصيغ العالمية لكن بروح عربية تناقش قضايا المنطقة.أحد الأمثلة اللافتة في هذا التحول هو البودكاست الذي يقدمه الإعلامي الإماراتي أنس بوخش بعنوان AB Talks. هذا البودكاست حقق نجاحًا مدوّيًا، لأنه كسر القوالب التقليدية وابتعد عن “أسئلة الشهرة”، مركّزًا بدلًا من ذلك على حياة الضيوف الشخصية وتجاربهم الإنسانية العميقة. لقد استضاف أنس بوخش عشرات الشخصيات المؤثرة من فنانين ورياضيين ورجال أعمال، وكان الهدف الأساسي أن يُظهرهم كأشخاص عاديين يمرون بنفس المشاعر والتحديات التي يعيشها الجمهور. هذه الصيغة جعلت البودكاست يحصد ملايين المشاهدات والمتابعات عبر يوتيوب وسبوتيفاي، وكرّست مكانته كواحد من أبرز التجارب العربية التي وصلت إلى جمهور عالميلا يمكن إغفال دور الجامعات والمبادرات الشبابية التي أدركت أهمية البودكاست كأداة تعليمية. ففي مصر، أطلقت بعض الجامعات الحكومية والخاصة مشروعات بودكاست طلابية تناقش قضايا أكاديمية واجتماعية. وفي الأردن ولبنان، هناك مبادرات لتدريب الشباب على صناعة المحتوى الصوتي كجزء من برامج ريادة الأعمال.إن انتقال البودكاست العربي من الهامش إلى العالمية ليس مجرد صدفة، بل انعكاس لحاجة الجمهور إلى محتوى أعمق وأكثر قربًا من الحياة اليومية بعيدًا عن قيود التلفزيون التقليدي. ومع دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يتطور البودكاست مستقبلًا ليصبح أكثر تفاعلية، حيث يمكن للمستمع أن يشارك أو يطرح أسئلة أثناء الحلقة، وربما يعيش تجربة صوتية غامرة باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي.في النهاية، يبدو أن البودكاست العربي يسير بخطى ثابتة نحو العالمية، مدفوعًا بجمهور شاب يبحث عن أصوات جديدة وقصص تعكس واقعه، ومنصات تستثمر في الموهبة والإبداع. وإذا كان العالم قد شهد ثورة البودكاست خلال العقد الماضي، فإن العقد المقبل قد يكون لحظة ازدهار البودكاست العربي على مستوى عالمي.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.