القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
منذ أن ظهر البيتكوين قبل أكثر من عقد، تحولت العملات الرقمية من مجرد فكرة مشكوك في جدواها إلى واقع يفرض نفسه على النظام المالي العالمي. لم يعد الأمر مقتصرًا على مجموعة من المستثمرين المغامرين أو الشركات الناشئة في وادي السيليكون، بل صار جزءًا من النقاشات الاقتصادية الكبرى في البنوك المركزية وأسواق المال والمؤسسات الحكومية. واليوم، تدخل البورصات العربية على الخط بقوة، محاولة استكشاف ما إذا كانت العملات المشفرة والأنظمة الرقمية المالية تمثل تهديدًا أو فرصة لإعادة تشكيل مستقبل الاقتصاد الإقليمي.الدول العربية أدركت أن تجاهل هذه الظاهرة لم يعد ممكنًا، خاصة مع تضخم حجم سوق العملات الرقمية عالميًا ليتجاوز تريليونات الدولارات في أوقات الذروة. الإمارات كانت من أوائل الدول التي فتحت أبوابها لهذه الصناعة، إذ أطلقت دبي مركزًا عالميًا لتداول الأصول الرقمية وجذبت شركات كبرى تعمل في البلوك تشين والتمويل الرقمي، حتى صارت تُوصف بأنها “وادي السيلكون الجديد للعملات المشفرة”. وفي البحرين، أُنشئت بيئة تنظيمية مرنة تسمح للشركات الناشئة بتجربة منتجات مالية رقمية تحت إشراف البنك المركزي. أما السعودية، فهي تختبر عبر مبادرات “فنتك” آفاق دمج العملات الرقمية وتقنيات البلوك تشين في القطاع البنكي، ضمن خطط “رؤية 2030” لتقليل الاعتماد على النفط.
لكن مستقبل البورصات الرقمية في العالم العربي لا يرتبط فقط بالبنية التشريعية والتنظيمية، بل أيضًا بمدى تقبّل المجتمع لها. فالمستثمر العربي الذي اعتاد على الذهب والعقار كملاذات آمنة يجد نفسه اليوم أمام عالم جديد من الأصول الرقمية التي ترتفع وتهبط أسعارها بشكل جنوني. البعض يرى في ذلك فرصة لتحقيق ثروات سريعة، بينما يخشى آخرون من مخاطر الاحتيال والقرصنة وانهيار الأسواق كما حدث في أزمات منصات كبرى عالميًا مثل “FTX”. هذه المخاوف دفعت الحكومات إلى البحث عن توازن دقيق: كيف نشجع الابتكار ونواكب الثورة المالية الرقمية، دون أن نعرض المدخرات الوطنية والأفراد لمخاطر غير محسوبة؟على الجانب الآخر، يرى خبراء الاقتصاد أن دخول البورصات العربية الرقمية بشكل منظم ومدروس قد يفتح آفاقًا هائلة. فالمنطقة التي طالما كانت تعتمد على التحويلات المالية التقليدية، خاصة مع وجود ملايين المغتربين، يمكن أن تستفيد من تقليل كلفة الحوالات عبر العملات المشفرة. كما أن شركات التكنولوجيا المالية الناشئة ستجد بيئة خصبة لتقديم حلول دفع مبتكرة تناسب جيل الشباب العربي الذي يعيش أغلبه على الهواتف الذكية ويبحث عن طرق أسرع وأكثر أمانًا لإدارة أمواله.في الوقت نفسه، لا يمكن فصل النقاش عن البعد الجيوسياسي. فالعالم يشهد تنافسًا محمومًا بين القوى الكبرى على من يضع القواعد والمعايير الحاكمة لاقتصاد البلوك تشين. الصين أطلقت اليوان الرقمي، وأمريكا تناقش بجدية إصدار الدولار الرقمي، وأوروبا تمضي في مشروع اليورو الرقمي. هذا يعني أن المنطقة العربية إذا لم تدخل السباق سريعًا، قد تجد نفسها مجرد متلقٍّ للقواعد التي يضعها الآخرون، لا صانعًا لها. ولهذا، فإن تأسيس بورصات عربية رقمية منظمة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يتصل أيضًا بالسيادة الرقمية والقدرة على حماية الاستقلال المالي للدول.التحديات كثيرة بلا شك. فضعف الثقافة الرقمية لدى شريحة واسعة من المجتمع، ونقص الخبرات المتخصصة، وتباين التشريعات بين دولة وأخرى، كلها عوامل قد تبطئ من التحول. كذلك، فإن غياب التنسيق الإقليمي قد يفتح الباب أمام منافسة غير متكافئة بين الدول العربية بدلاً من تكاملها. غير أن التجارب الناجحة في الإمارات والبحرين والسعودية تثبت أن الإرادة السياسية والرؤية الواضحة قادرتان على تحويل الحلم إلى واقع.في نهاية المطاف، يبدو أن البورصات العربية الرقمية تقف على أعتاب منعطف تاريخي. فبعد أن كان البيتكوين رمزًا للتمرد على النظام المالي التقليدي، أصبح اليوم محرّكًا لإصلاحه وتطويره. وإذا استطاعت الدول العربية أن توازن بين الجرأة والحيطة، بين الابتكار والرقابة، فقد نشهد خلال العقد القادم بروز عواصم مالية عربية جديدة تنافس نيويورك ولندن وهونغ كونغ في ميدان الأصول الرقمية. عندها لن يكون السؤال هو ما إذا كانت العملات المشفرة خطرًا أو فرصة، بل كيف نجعلها أداة لبناء مستقبل اقتصادي أكثر مرونة وازدهارًا في العالم العربي.




