القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في قلب الجيزة، وعلى بعد آلاف السنين من الزمن الذي مر على بناء أهرام مصر القديمة، ينطلق مشروع علمي فريد من نوعه يهدف إلى كشف ما قد تخفيه البنية الداخلية لهرم خفرع دون المساس به أو اقتحام هيكله التاريخي. المشروع المعروف باسم ScIDEP يعتمد على تكنولوجيا حديثة تستخدم جسيمات الميون، وهي جسيمات أولية تنتجها الأشعة الكونية، لرسم صورة دقيقة لداخل الهرم، بطريقة تشبه الأشعة السينية لكنها على نطاق أكبر وأعمق.
الهدف الرئيسي للمشروع هو استكشاف الغرف والممرات المخفية التي قد تحمل أسراراً عن طريقة بناء الهرم أو الوظائف الداخلية للأقسام المختلفة، وهو ما قد يسهم في فهم أعمق للتقنيات الهندسية التي استخدمها قدماء المصريين. استخدام الميونات يمثل طفرة علمية، لأنه يسمح بإجراء مسح غير تدخلي يحافظ على سلامة المبنى الأثري ويجنب المخاطر التي قد تصاحب عمليات الحفر أو الاستكشاف التقليدية.
الفريق الدولي لمشروع ScIDEP يضم خبراء في الفيزياء الجسيمية والهندسة والآثار، وقد ركز منذ انطلاقه على تطوير تلسكوبات متخصصة يمكنها قياس انحراف مسار الميونات عند مرورها عبر الكتل الحجرية الضخمة، وهو ما يتيح بناء خريطة ثلاثية الأبعاد للفراغات الداخلية.
هذا المسح الدقيق قد يكشف عن تفاصيل لم يرها أحد منذ آلاف السنين، ويمثل امتداداً لجهود سابقة استخدمت فيها تقنيات التصوير المماثل في هرم خوفو الكبير.
إلى جانب الأهمية العلمية، يكتسب المشروع صبغة ثقافية وتاريخية كبيرة، إذ يسهم في الحفاظ على التراث المصري بطريقة مبتكرة تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والعلم القديم. كما أن النتائج المحتملة قد تعيد كتابة بعض مفاهيم تاريخ بناء الأهرامات، وتسهم في كشف أسرار كانت محاطة بالغموض لعقود طويلة.
كما يبرز المشروع ScIDEP كأحد الأمثلة الناجحة على التعاون الدولي في مجال البحث العلمي، حيث يعمل باحثون من مختلف الدول معًا، ويظهر كيف يمكن للتقنيات المتقدمة أن تخدم علم الآثار دون المساس بالتراث، وهو توجه حديث يلتقي مع المبادئ العالمية لحماية المواقع الأثرية.
مع استمرار العمل على المشروع، يترقب العالم النتائج التي قد تتجاوز مجرد الاكتشافات، لتفتح آفاقًا جديدة لفهم الحضارة المصرية القديمة، وتؤكد أن الابتكار العلمي يمكن أن يكون جسرًا بين الماضي والحاضر. فبفضل جسيمات الميون، قد نكون على موعد قريب مع كشف أسرار خفية في قلب هرم خفرع، تكشف المزيد عن عبقرية المصريين القدماء وعمق معرفتهم الهندسية.
تقنيات الميون ليست مقتصرة على دراسة الأهرامات فقط، بل تُعتبر ثورة علمية في مجالات متعددة حول العالم.
الميونات هي جسيمات أولية تولدها الأشعة الكونية عند اصطدامها بالغلاف الجوي، وتمتاز بقدرتها على اختراق كتل كثيفة جدًا من الصخور والمعادن، ما يجعلها أداة مثالية لإجراء مسح داخلي للأجسام الكبيرة دون الحاجة إلى الحفر أو التدمير. وقد استخدمت هذه التقنية بالفعل في مشاريع بحثية عدة، أبرزها دراسة البركان الياباني Sakurajima لرصد قنوات الحمم البركانية، وكذلك في مصانع الطاقة النووية لمراقبة تراكم الوقود أو التحقق من سلامة الحاويات المشعة.
في إيطاليا وسويسرا، اعتمد الباحثون على الميونات لرسم الخرائط الداخلية للجبال والمغارات الطبيعية، ما ساعد على فهم تكوينها والظواهر الجيولوجية التي تحيط بها.أما في مجال الهندسة المدنية، فقد جرى استخدام التلسكوبات الميونية في تحليل الجسور والسدود الضخمة لتحديد نقاط الضعف داخليًا قبل وقوع أي أضرار. في الفيزياء الأساسية، تُستخدم الميونات في التجارب الكبرى في مراكز مثل CERN لتقنيات التصوير المتقدم وفحص الهياكل الدقيقة.
وكل هذه التطبيقات تظهر مدى تعدد استخدامات الميونات، إذ يمكنها أن تكون جسراً بين العلوم الطبيعية، والهندسة، والآثار، مما يفتح آفاقًا جديدة لاستكشاف المجهول دون المساس بالسلامة الهيكلية للمواقع أو المنشآت.
في حالة هرم خفرع، يُمثل استخدام الميونات تطبيقًا عمليًا لتقنيات عالمية معقدة، حيث يدمج بين الدقة الفيزيائية والفهم الهندسي للتراث، ما يجعله نموذجًا يحتذى به في الحفاظ على المعالم الأثرية واستكشافها بطريقة علمية متطورة، ويؤكد أن العلوم الحديثة قادرة على الكشف عن أسرار الحضارات القديمة دون المساس بسلامتها التاريخية.





