القاهرة – نهاد شعبان:
منذ سنوات عديدة مازالت قضية التمييز ضد المرأة العاملة واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية والاقتصادية في مختلف المجتمعات، رغم التقدم الكبير الذي شهدته القوانين والسياسات الدولية والمحلية لحماية حقوق النساء في سوق العمل، فالمرأة اليوم تمثل نصف القوى العاملة في العالم، إلا أن العديد منهن يواجهن تحديات وصعوبات مرتبطة بنوع الجنس، تؤثر على فرصهن في الحصول على الوظائف، والتطور المهني والأجور وصولا إلى الأمان الوظيفي، حيث أن التمييز ضد المرأة العاملة يظهر بطرق متعددة، أبرزها الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء، حيث تكشف الإحصاءات أن النساء غالبا ما يحصلن على أجور أقل من زملائهم الذكور عن نفس الوظائف ونفس حجم العمل، وهذا التفاوت لا يرتبط بالكفاءة أو الخبرة، بل يرتبط بالتمييز المباشر أو غير المباشر الذي يمارسه أصحاب العمل، بالإضافة إلى السياسات التي لا تراعي ظروف النساء، مثل عدم توفير مرونة في ساعات العمل أو الإجازات المتعلقة بالأمومة.جانب أخر من التمييز يتمثل في صعوبة حصول النساء على فرص القيادة والترقيات داخل المؤسسات، فلا تزال كثير من المناصب العليا والشركات الكبرى تسيطر عليها القيادات الذكورية، بينما تواجه المرأة تحديات إضافية لكسر هذه الحواجز، وفي بعض الحالات، تتخذ قرارات التعيين والترقية بناء على الصورة النمطية للمرأة.
واعتقاد أن مسئوليات الأسرة قد تؤثر على التزامها بالعمل، ما يحد من فرصها المهنية ويجعلها عرضة للتهميش، كما يشمل التمييز ضد المرأة العاملة المضايقات والتحرش في مكان العمل، وهي مشكلة تؤثر على الصحة النفسية والجسدية للنساء، وتقلل من الإنتاجية وتزيد من معدلات الاستقالات المبكرة، وعلى الرغم من وجود قوانين ضد التحرش، إلا أن تنفيذ هذه القوانين في كثير من الأحيان يكون ضعيفا، مما يجعل النساء مترددات في الإبلاغ عن الانتهاكات، خوفا من فقدان الوظيفة أو التهميش المهني.كما أن التمييز لا يقتصر على العاملات في القطاع الرسمي، بل يمتد أيضا إلى العمالة غير الرسمية، حيث تعمل النساء في ظروف صعبة، غالبا بدون عقود رسمية أو ضمانات صحية، مع غياب حماية قانونية فعالة، هذا الوضع يجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال والإجهاد، ويعكس الحاجة الملحة لسياسات تحمي حقوق العاملات في جميع القطاعات، وأيضًا الجانب الثقافي والاجتماعي يلعب دورا مهما في استمرار التمييز، فهناك بعض المجتمعات ما زالت ترى أن عمل المرأة محدود بمجالات معينة فقط، أو أن مسئوليات البيت والأطفال يجب أن تكون الأولوية المطلقة، ما يقلل من فرص المرأة في المشاركة الفعلية في سوق العمل، وهذه الصور النمطية تعيق التغيير وتؤثر على نظرة المؤسسات للمرأة، رغم أن الدراسات الاقتصادية أثبتت أن مشاركة المرأة في العمل تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.وأظهرت تجارب بعض الدول أن تطبيق برامج تدريبية للقيادات، وإنشاء لجان لمراقبة التمييز، وتوفير برامج إرشادية للمرأة، يمكن أن يساهم في تحسين بيئة العمل، وهذه السياسات لا تساعد فقط النساء، بل تعود بالنفع على المؤسسات نفسها، من خلال تعزيز الإنتاجية، وخفض معدل الدوران الوظيفي، ورفع مستوى الرضا المهني للعاملين، كما أن دعم الثقافة المؤسسية التي تشجع المساواة وتمكن المرأة من المشاركة في اتخاذ القرار يعد خطوة مهمة نحو الحد من التمييز، فالبيئة التي تشجع على الشمولية وتكافؤ الفرص تعزز من شعور المرأة بالقيمة والمشاركة الفاعلة، ما ينعكس إيجابا على الأداء العام للمنظمة والمجتمع.




