القاهرة – أميرة المُحمََدي:
في خطوة تُعيد للأذهان عبق الحضارة المصرية القديمة، أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن إعادة افتتاح مقبرة الفرعون أمنحتب الثالث في مدينة الأقصر، بعد أكثر من عشرين عامًا من أعمال الترميم الدقيقة التي شارك فيها خبراء مصريون وألمان. ويُعد هذا الافتتاح حدثًا أثريًا عالميًا يمهّد لافتتاح المتحف المصري الكبير، ويؤكد استمرار مصر في استعادة أمجادها السياحية والحضارية.المقبرة التي تقع في وادي الملوك بالبر الغربي للأقصر، تُعد من أضخم وأفخم المقابر الملكية في مصر القديمة، إذ كان أمنحتب الثالث — أحد أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة — حاكمًا للإمبراطورية المصرية في أوج ازدهارها، خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
وقد اشتهر عصره بازدهار الفن والعمارة، وهو ما ينعكس بوضوح في النقوش والزخارف التي تزيّن جدران مقبرته، حيث تتجلى رموز الخلود والبعث في مشاهد مهيبة تصوّر انتقال الملك إلى العالم الآخر تحت حماية الآلهة.
أعمال الترميم التي استمرت لعقود لم تكن سهلة، فقد تعرضت المقبرة لأضرار جسيمة بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والتآكل بفعل الزمن، مما تطلب تدخلًا علميًا دقيقًا استخدمت فيه أحدث التقنيات الرقمية والمواد الصديقة للبيئة لحماية الألوان والنقوش الأصلية.
وقد أكد فريق الترميم أن الهدف لم يكن فقط استعادة الشكل الجمالي، بل الحفاظ على الأصالة الأثرية دون المساس بالملامح التاريخية التي تُعد شاهدًا فريدًا على عبقرية الفنان المصري القديم.
وحضر الافتتاح عدد من كبار المسؤولين المصريين إلى جانب وفود دبلوماسية أجنبية وخبراء في الآثار من مختلف دول العالم، في مشهد احتفالي يعكس اهتمام الدولة المصرية المتزايد بالتراث الثقافي. كما نُظمت جولات ميدانية للصحفيين والباحثين داخل المقبرة، الذين وصفوها بأنها “أشبه بمتحف حي تحت الأرض”.
ويأتي افتتاح المقبرة في إطار سلسلة من الإنجازات الأثرية المتتالية التي تشهدها مصر مؤخرًا، من بينها نقل المومياوات الملكية وافتتاح طريق الكباش ومشروعات تطوير المتاحف في القاهرة والأقصر وسوهاج، وهي كلها خطوات تهدف إلى تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية.
ويؤكد خبراء الآثار أن هذا الافتتاح لا يحمل بعدًا سياحيًا فقط، بل رسالة ثقافية للعالم بأن مصر قادرة على صون تراثها وحمايته، رغم كل التحديات الاقتصادية والبيئية. فالمقبرة التي صمدت لآلاف السنين تعود اليوم لتُذكّر العالم بأن الحضارة المصرية ليست ماضٍ يُروى، بل حاضر يُصنع ومستقبل يُرسم بحروف من ذهب.



