القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في عالمٍ تتحكم فيه الشاشات، وتُقاس فيه القيمة بعدد “الإعجابات” و”المشاهدات”، برز نوع جديد من المزارعين، لا يحرثون الأرض ولا يسقون الزرع، بل يزرعون “الترندات” ويُحصدون “المشاهدات” على منصات التواصل الاجتماعي.هؤلاء هم مزارعو السوشيال ميديا، الذين يتقنون فنون التأثير الجماهيري وصناعة الرأي العام، في عصرٍ باتت فيه التغريدة أقوى من بيان رسمي، والمقطع القصير أبلغ من خطاب سياسي.• من وراء الستار: مزارع الترنداتوراء كل موجةٍ من الهاشتاغات التي تشتعل فجأة، أو فيديو يصبح حديث الجميع في لحظات، تقف مجموعات منظمة من صُنّاع المحتوى الرقمي، وأحيانًا شركات متخصصة تُدير ما يُعرف بـ”مزارع السوشيال ميديا”.هذه المزارع تُدار عبر فرق رقمية مدرَّبة، تملك حسابات وهمية وأخرى حقيقية، وتعمل على تضخيم التفاعل بشكل مدروس، لرفع موضوعٍ أو شخصيةٍ إلى صدارة المشهد العام.ويقول باحثون في الإعلام الرقمي إن الترند اليوم لا يُترك للصدفة، بل يُصنع وفق خوارزميات دقيقة وتوقيت محسوب. فهناك من “يزرع” الكلمة المفتاحية، ومن “يسقيها” بالإعجابات، ومن “يحصد” النتائج حين تتصدر شاشات الملايين.
• بين الدعاية والتأثير
لا يقتصر عمل مزارعي السوشيال ميديا على الترفيه أو التسويق فقط، بل يمتد أحيانًا إلى توجيه الرأي العام سياسيًا أو اجتماعيًا. ففي أوقات الانتخابات أو الأزمات الكبرى، تتحول هذه الحسابات إلى أدوات ضغط رقمية، قادرة على تغيير اتجاهات الناس خلال ساعات قليلة.وقد كشف عدد من التقارير الدولية عن انتشار مزارع ترندات في عدة دول، أبرزها في روسيا والفلبين والهند، تُستخدم للترويج لأجندات سياسية أو لتشويه شخصيات عامة.وفي المقابل، تستخدم بعض الشركات العالمية هذه المزارع في أغراض تسويقية مشروعة، مثل الترويج لمنتج أو حملة إعلانية ضخمة، تحت شعار “دع الجمهور يتحدث بدلًا عنك”.
• الذكاء الاصطناعي يدخل الحقل
مع تطور التكنولوجيا، دخل الذكاء الاصطناعي على خط الزراعة الرقمية، إذ باتت البرامج قادرة على توليد تعليقات واقعية، وتحليل تفاعل الجمهور لحظة بلحظة، بل والتنبؤ بالموضوع الذي سيصبح “ترند” لاحقًا.وتشير دراسة لمركز “بيو” الأمريكي إلى أن أكثر من 40% من المحتوى المتداول على المنصات الكبرى يتم التلاعب به آليًا بدرجات متفاوتة، سواء عبر روبوتات النشر أو الحسابات شبه الحقيقية التي تُدار خوارزميًا.هذه الثورة التقنية جعلت الحدود بين “الحقيقي” و”المصنوع” تتلاشى، حتى أصبح من الصعب التمييز بين الترند العفوي والترند المبرمج.
• ضحايا المزارع
الظاهرة ليست بلا ثمن، فمع انتشار هذه المزارع تزايدت حالات التضليل والمعلومات الزائفة، وأصبحت بعض القضايا الاجتماعية أو السياسية رهينة المزاج الرقمي العام.وقد يقع أشخاص أبرياء ضحية لحملات تشويه مفبركة، أو تُشعل قضايا هامشية على حساب مشكلات أكثر أهمية.وهنا يتحول “الترند” من وسيلة ترفيه أو تفاعل إلى سلاحٍ رقميٍ حاد يمكن أن يصيب reputations ويغيّر الحقائق.
• صوت الجمهور بين التلقائية والبرمجة
رغم كل ذلك، تبقى السوشيال ميديا مساحة حقيقية للتعبير الشعبي، تُمكّن المستخدم العادي من أن يكون “إعلاميًا صغيرًا” بصوته وكاميرته وهاتفه. لكن المشكلة تبدأ حين تتداخل هذه الأصوات الحرة مع الأصوات المُصنَّعة التي تُزرع عمدًا لتوجيه الجماهير.فبين “الترند الحقيقي” و”الترند المبرمج” خطوط دقيقة لا يراها معظم الناس، لكنها تصنع فرقًا كبيرًا في وعي المجتمعات واتجاهاتها.
• الحصاد الأخير
في النهاية، يعيش العالم اليوم عصر الزراعة الرقمية، حيث تُزرع الكلمات في التايملاين بدلًا من التربة، وتُسقى بالفضول بدلًا من الماء، وتحصد الأرباح بالمتابعة والإعلانات.لكن يبقى السؤال الأهم:هل ما نراه على الشاشات هو الحقيقة فعلًا، أم مجرد محصول مزروع بعناية في مزارع السوشيال ميديا؟لكن وسط هذا العالم المتشابك، تظل مسؤولية المستخدم الفرد هي الحصن الأخير أمام طوفان الزيف الرقمي. فوعي الجمهور هو السلاح الحقيقي لمواجهة هذه المزارع التي تتخفى في ثوب الترفيه أو الحرية، بينما تُمارس في الخفاء أقوى أشكال التوجيه والسيطرة.من السهل أن ننجرف وراء الترند، أن نشارك، أن نضحك أو نغضب، لكن الأصعب أن نتوقف لنسأل: من زرع هذا الترند؟ ولماذا الآن؟إن إدراكنا لما يحدث خلف الشاشات هو الخطوة الأولى نحو استعادة السيطرة على عقولنا، لأن من يملك “الترند” اليوم، قد يملك غدًا اتجاه الرأي العام كله.وفي زمن تتحول فيه الحقيقة إلى منتج قابل للتسويق، يصبح الوعي هو الزرع الوحيد الذي يجب أن نحرص على سقيه كل يوم.



