القاهرة – نهاد شعبان:
يعتبر مرض البهاق واحدا من أكثر الأمراض الجلدية التي تثير القلق والجدل في آن واحد، ليس بسبب خطورته الجسدية، بل لما يرافقه من آثار نفسية واجتماعية قاسية تصيب المريض أكثر مما تصيبه البقع البيضاء التي تظهر على جلده، فبينما يسعى الطب إلى تفسير أسبابه وعلاجه، ما زال المجتمع في كثير من الأحيان يحمل المصابين به أحكاما ظالمة وصورا نمطية تفاقم معاناتهم النفسية وتدفعهم إلى العزلة، ويعد البهاق مرض جلدي مزمن يحدث عندما تفقد خلايا الجلد المسئولة عن إنتاج صبغة الميلانين وظيفتها، مما يؤدي إلى ظهور بقع بيضاء متفاوتة الحجم في مناطق مختلفة من الجسم، وقد يظهر المرض في أي عمر، لكنه غالبا يبدأ قبل سن الأربعين، ورغم أنه غير معدي ولا يسبب أي ألم جسدي مباشر، إلا أنه من الأمراض التي تؤثر بعمق على المظهر الخارجي للمريض، وبالتالي على ثقته بنفسه ونظرته إلى ذاته.تتعدد أسباب البهاق، ويعتقد أن العوامل الوراثية والمناعية تلعب دورا أساسيا في ظهوره، ففي بعض الحالات، يهاجم الجهاز المناعي خلايا الميلانين ظنا أنها أجسام غريبة، مما يؤدي إلى توقفها عن إنتاج اللون الطبيعي للبشرة، وقد تتفاقم الحالة بفعل الضغوط النفسية أو العصبية، وهو ما يجعل البهاق مرضا يتغذى على القلق ويغذيه في الوقت نفسه، وعلى الرغم من تطور الطب الحديث، إلا أن علاج البهاق لا يزال تحديا كبيرا فالأدوية المتوفرة تساعد في تخفيف الحالة أو تحفيز الخلايا الصبغية، لكنها لا تضمن شفاء كاملا في كل الحالات، وتتنوع وسائل العلاج بين استخدام الكورتيزون الموضعي، والعلاج بالأشعة فوق البنفسجية، والمستحضرات الحديثة التي تعمل على إعادة تنشيط الخلايا الصبغية، وفي بعض الحالات المتقدمة، قد يلجأ الأطباء إلى زراعة الجلد أو توحيد لون البشرة بالكامل لتخفيف الفارق اللوني بين المناطق المصابة والسليمة، لكن هذه الحلول تحتاج إلى صبر طويل ومتابعة دقيقة، إذ إن العلاج غالبا ما يستغرق شهورا أو حتى سنوات دون نتيجة مضمونة، ورغم أن الطب لا يعتبر البهاق مرضا خطيرا من الناحية العضوية، فإن تأثيره النفسي والاجتماعي لا يقل قسوة عن الأمراض المزمنة الأخرى، وربما يفوقها في بعض الأحيان.
ويشعر الكثير من مرضى البهاق بأنهم تحت نظرة المجتمع القاسية التي تفسر المرض أحيانا على نحو خاطئ، فتربطه بالعدوى أو السحر أو العيب الجسدي، رغم أنه مجرد اضطراب في تصبغ الجلد لا علاقة له بالنظافة أو السلوك، وتبدأ المعاناة النفسية منذ اللحظة الأولى لظهور البقع على الجلد، خصوصا في الأماكن الظاهرة كالوجه واليدين، فيشعر المريض بالحرج، ويحاول إخفاء العلامات بالمكياج أو الملابس الطويلة، خوفا من التعليقات الجارحة أو النظرات الفضولية، وفي كثير من الحالات يؤدي ذلك إلى عزلة اجتماعية، وانسحاب من الأنشطة العامة، وانخفاض في تقدير الذات، والأصعب من ذلك أن بعض المصابين بالبهاق خصوصا الأطفال والمراهقين قد يتعرضون للتنمر في المدارس أو في أماكن العمل، وهو ما يترك أثرا نفسيا طويل الأمد، وتشير بعض الدراسات إلى أن نسبة من مرضى البهاق يعانون من اكتئاب أو قلق مزمن نتيجة الرفض الاجتماعي أو الخوف من نظرات الآخرين.وما يزيد من مأساة البهاق هو غياب الوعي المجتمعي الكافي حول طبيعة المرض، ففي حين تتعامل المجتمعات المتقدمة معه كأي حالة صحية عادية، ما زال كثيرون في مجتمعاتنا العربية ينظرون إليه على أنه مرض غامض أو معدي، وهو ما يدفع البعض إلى تجنب التعامل المباشر مع المصابين، وهذه النظرة الخاطئة تولد فجوة نفسية كبيرة بين المريض ومحيطه، إذ يشعر بأنه موصوم دون ذنب، في حين أن العلم أثبت أن البهاق لا ينتقل باللمس أو المخالطة أو حتى الوراثة المباشرة في أغلب الأحيان، ولأن المظهر الخارجي يلعب دورا كبيرا في نظرة الناس، فإن التمييز الجمالي يصبح أحيانا أقسى من المرض نفسه، حيث أن الكثير من المرضى يواجهون صعوبة في إيجاد عمل، أو يتعرضون للرفض في العلاقات الاجتماعية والزواج، فقط لأن بشرتهم مختلفة عن السائد.




